من زمن الكبار إلى ايام الصغار.. ماذا فعلنا بالإعلام؟

بلال ابوقريق خريسات 

عندما نشاهد ونقرأ ما يُثار حول الإنتاج الدرامي الأردني، ودور المسؤول المعني في قطاعات الإعلام، والمسؤولية الإدارية والأخلاقية لهذا القطاع، يصبح السؤال مشروعًا وملحًّا: أين اختفى الحسّ الوطني؟ وكيف تراجع الإيمان بدور الدراما بوصفها ذاكرة الدولة، ومرآة المجتمع، وأحد أهم أدوات بناء الوعي العام؟.

وحين نطرح هذا السؤال، لا نفعل ذلك من باب الحنين أو النوستالجيا، بل من باب المقارنة الضرورية بين زمنٍ كان فيه من شغلوا مواقع القرار الإعلامي يدركون خطورة الكلمة، وقدسية الصورة، وثقل المسؤولية. زمنٌ تعاقب فيه رجال دولة تعاملوا مع الإعلام بوصفه شأنًا وطنيًا لا مصلحة عابرة، أمثال وصفي التل، ومحمد كمال، وصلاح أبو زيد، ونصوح المجالي، وراضي الخص، وناصر جودة، وإبراهيم شاهزادة، وغيرهم ممن فهموا أن المنصب تكليف لا غنيمة، وأن الثقافة مشروع دولة لا بندًا هامشيًا.

في ذلك الزمن، لم تكن الدراما ترفًا، ولا مجرد إنتاج موسمي، بل استثمارًا في الهوية، وفي صورة الأردن، وفي الإنسان الأردني نفسه. كان القرار الإعلامي مرتبطًا برؤية، لا بردّة فعل، وبسؤال جوهري: ماذا نريد أن نقول عن أنفسنا؟ لا: كيف نُرضي لحظة عابرة أو نملأ فراغًا مؤقتًا.

لكن، للأسف، في هذه المرحلة من إدارة المشهد الإعلامي، تغيّر الحال. لم يعد التراجع خللًا إداريًا يمكن معالجته، بل تحوّل إلى مناخ عام تُدار فيه المؤسسات بروح ضيقة، حيث أصبحت شهوة الإذلال غاية بحدّ ذاتها، إن لم تكن هي الشهوة بعينها. مناخٌ يُكافأ فيه الصمت، ويُعاقَب فيه السؤال، وتُدار فيه الثقافة بعقل الحارس لا بروح الدولة. وهنا تصبح المسؤولية مباشرة على كل مسؤول معني بملف الإعلام، في كافة مؤسسات الدولة، ليضع اللوم على نفسه أولًا، ويعمل بوضوح وشفافية من أجل المصلحة العامة وصورة الوطن.

في هذا المناخ، لم يعد من يمتلكون المفاتيح يفتحون بها الأبواب، بل يغلقونها. مفاتيح تُستخدم للمنع، للتأجيل، للتهميش، وأحيانًا تُقدَّم القرارات قربانًا على مذبح النفوذ الشخصي، لا خدمةً للصالح العام. لم يعد السؤال: ما المشروع؟ بل: من يملك المفتاح؟ ولمصلحة من يُستخدم؟

وهنا لا بد من قول ما يجب أن يُقال بوضوح: إن الناس المحترمة لا تُقصى دائمًا من المشهد، بل كثيرًا ما تنسحب منه طوعًا. تنسحب لأنها لا تملك مفتاحًا، ولا تجيد الوقوف على الأبواب، ولا تعرف كيف تُساوم على كرامتها، ولا تملك قربانًا يمكن تقديمه في نهجٍ تُدار فيه المواقع بالغريزة لا بالقيمة، وبالشهوة لا بالمسؤولية.

تنسحب لأن البقاء في هذا المناخ يتطلب ما لا يشبهها، ولأن الاستمرار صار مشروطًا بالتماهي مع منطق الإذلال، أو القبول بلعبة لا تعترف بالكفاءة ولا بالمعنى. وهكذا، يفرغ المشهد من أهله الطبيعيين، لا لأنهم عاجزون، بل لأنهم يرفضون أن يكونوا جزءًا من هذا الانحدار.

وهنا تكمن المفارقة الأخطر: لا يُكافأ الصمت فقط، بل يُعاقَب الاحترام. لا يُقصى الرديء لأنه رديء، بل يُقصى الجيد لأنه لا يُجيد التواطؤ. ومع كل انسحابٍ نبيل، يزداد الفراغ، وتتضخم أصوات لا تحمل مشروعًا ولا رؤية، لكنها تمتلك المفاتيح، وتعرف كيف تُقدَّم القرارات قرابين في سوقٍ فقد بوصلته.

إن استدعاء أسماء الكبار ليس دعوة للعودة إلى الماضي، بل نداء لإعادة الاعتبار لفكرة بديهية: الإعلام والدراما جزء من الأمن الثقافي، ومن صورة الدولة، ومن احترامها لذاتها أولًا. فالدول لا تُقاس فقط بما تملكه من موارد، بل بما تنتجه من معنى، وبما ترويه عن نفسها لأبنائها وللعالم.

وما لم يُطرح سؤال المسؤولية بوضوح: من يقرّر؟ ولماذا؟ وبأي رؤية؟ سيبقى الإنتاج الدرامي الأردني عالقًا بين ذاكرة زمنٍ عرف قيمة نفسه، وواقعٍ يُدار بلا مشروع… واقع لا يشبه الأردن، ولا يليق بتاريخه، ولا بأبنائه الذين انسحبوا بصمت، حفاظًا على ما تبقّى من كرامة المعنى.

لذا نختتم القول: هل من مجيب يحفظ لنا ما تبقى لنا من كرامة واحترام؟ كفى .    !؟.