حسان في حوار "الحقيقة والعبور": هل ينجح الأردن في فك "شيفرة" الأزمات المتراكمة؟

عمر المحارمة

في إطلالته الأخيرة عبر شاشة التلفزيون الأردني، لم يقدم رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان مقابلة تلفزيونية روتينية، أو تحقيق ظهور إعلامي، بل بدت المقابلة وكأنها مكاشفة و»بيان عمل» وُضع تحت مجهر الرأي العام بكل شفافية وجرأة، لتؤكد أن رئيس الوزراء جاء من مدرسة العمل الصامت لا الصخب الإعلامي.

حسان، الذي يدرك جيداً حجم الفجوة المزمنة والشكوك المتراكمة بين وعود الحكومات وتوقعات الشارع، اختار أن يواجه الناس بلغة الواقعية الصلبة بعيداً عن الأحلام الوردية أو الشعارات المستهلكة، مستهلاً حديثه بتشخيص دقيق ومؤلم لما وصفه بخمسة عشر عاماً من الأزمات المتلاحقة التي أرهقت كاهل الدولة والمواطن معاً، ومؤكداً أن عام 2026 لن يكون مجرد رقم عابر في التقويم الزمني، بل هو «عام البناء» الذي ستنتقل فيه المشاريع الكبرى من غرف التخطيط وأدراج المكاتب إلى حفر المعاول وضجيج الآلات في الميدان، في محاولة جادة لترميم الهوية الإنتاجية للدولة الأردنية.

المتأمل في نبرة حسان يلحظ بوضوح أن الرجل لا يتحدث بلسان «الموظف الأول» الذي يخشى الخطأ، بل بلسان «المهندس الميداني» الذي يرى الأردن ورشة عمل كبرى لا تتوقف.

وفي محور يعد الأقرب لقلوب الأردنيين ووجعهم اليومي، لم يتحدث الرئيس عن ملف الصحة بلغة الأرقام الصماء أو المخصصات المالية الجافة، بل قدم رؤية تعيد الاعتبار لكرامة المواطن من خلال قرار تأمين أربعة ملايين أردني في مركز الحسين للسرطان، معتبراً أن الأمان النفسي الذي يشعر به الأب أو الأم تجاه صحة أبنائهم في مواجهة هذا المرض العضال هو الاستثمار الحقيقي الذي لا يقدر بثمن، وهو ما يفسر رصد مبالغ ضخمة في الموازنة لضمان ألا يكون العلاج حقاً منقوصاً أو خاضعاً للمزاجية البيروقراطية أو الواسطة، بل هو استحقاق وطني يكفله الدستور وتؤمنه الحكومة بكل جرأة.

هذا النفس الإنساني في الخطاب قابله حزم إداري لافت في الدفاع عن «نهج الميدان»، حيث رد حسان على منتقديه الذين استغربوا نزوله إلى تفاصيل دقيقة، مؤكداً أن متابعته الشخصية لصيانة مدرسة في قرية نائية أو توفير طبيب في مركز صحي في إحدى البوادي، ليست تدخلاً في عمل صغار الموظفين، بل هي رسالة سياسية لكل مسؤول مفادها أن زمن «التقارير الورقية» المزينة قد ولى، وأن المقياس الوحيد للنجاح والبقاء في الكرسي هو الأثر الملموس الذي يراه المواطن في حياته اليومية، وهو ما يسعى إليه حسان لهدم صنم المركزية الذي عطل التنمية في المحافظات لسنوات طويلة.

وفي هذا السياق، لم يكن حديثه عن المدارس تفصيلاً عابراً أو مثالاً خطابياً، بل كان جزءاً من رؤية أوسع ترى في التعليم حجر الزاوية لأي مشروع نهوض حقيقي. فقد تحدث بوضوح عن برنامج وطني لبناء المدارس وتخفيف الاكتظاظ، بأرقام محددة وجدول زمني لا يحتمل التأجيل، في محاولة لإعادة الاعتبار للمدرسة الحكومية بوصفها مساحة آمنة ومنتجة للمعرفة، لا مجرد مبانٍ تُدار بعقلية الحد الأدنى. هذا الوعي المتأخر نسبياً، لكنه الضروري، يعكس إدراكاً بأن الرهان على الشباب أو الاقتصاد الرقمي لا يمكن أن ينجح ما لم تُرمَّم الحلقة الأولى في السلسلة: التعليم الأساسي.

أما في الملف الاقتصادي، الذي يشكل التحدي الأكبر لأية حكومة، فقد رسم الرئيس خارطة طريق لمشاريع «كسر عظم» الركود، التي ستقود الأردن نحو الاستقلال المادي والسياسي، وعلى رأسها مشروع الناقل الوطني للمياه الذي وصفه بمشروع الوجود والسيادة.

حسان لم يكتفِ بالوعود، بل حدد مواعيد قاطعة للإغلاق المالي والبدء الفعلي في آذار المقبل، لينهي عقوداً من القلق المائي والارتهان للظروف الإقليمية، معتبراً أن توفير ثلاثمئة مليون متر مكعب من المياه سنوياً يعتبر محركاً أساسياً لأي نمو اقتصادي حقيقي.

وبالتوازي مع هذا الطموح المائي، طرح الرئيس رؤية «الأردن الطاقي» من خلال ثورة غاز الريشة، مؤكداً أن الحكومة تهدف لتغطية ثمانين بالمئة من احتياجات المملكة بحلول عام ألفين وثلاثين، وهو ما يعني خفضاً جوهرياً في كلف الإنتاج الصناعي، وتحويل الأردن من بلد مثقل بفاتورة الطاقة إلى بلد يستثمر في موارده الطبيعية لتعزيز تنافسية صادراته.

ولم يغب الطموح اللوجستي عن المشهد، حيث طرح رؤية الأردن كقلب نابض للتجارة الإقليمية من خلال سكة الحديد التي ستربط العقبة بالعمق العربي والدولي، مما يحول المملكة من مجرد «دولة ممر» إلى شريك استراتيجي ورقماً صعباً في حركة التجارة الإقليمية والعالمية، وهو ما سيفتح الأبواب الموصدة أمام الاستثمارات الضخمة القادرة على توليد فرص عمل حقيقية ومستدامة للشباب الأردني المتعطش للإنجاز.

وعند الحديث عن تخفيف الأعباء المعيشية، ابتعد حسان عن الخطاب الشعبوي الذي يعد بما لا يستطيع الوفاء به، مقدماً بدلاً من ذلك سردية تقوم على إجراءات جزئية لكنها ملموسة، شملت تخفيضات ضريبية ورسوم خدمات وتسويات مالية. ورغم أن هذه الخطوات لا تشكل انقلاباً جذرياً في المشهد الاقتصادي، إلا أنها تعكس توجهاً جديداً يقوم على إدارة الألم بدل إنكاره، وعلى الاعتراف بأن تحسين المزاج العام يبدأ من تفاصيل صغيرة يشعر بها المواطن في يومه العادي، لا من عناوين كبرى لا تنعكس على حياته.

وفي مقاربته للمالية العامة، كسر حسان واحداً من أكثر التابوهات حساسية حين تحدث عن الدين العام بلغة هادئة بعيدة عن التخويف أو التهوين، مؤكداً أن التحدي لا يكمن في حجم الدين فقط، بل في كلفته وآليات إدارته، واضعاً خفض نسبته إلى الناتج المحلي ضمن مسار زمني واضح، في رسالة تفيد بأن الحكومة لا تعد بمعجزات، لكنها تسعى إلى إعادة الانضباط إلى المالية العامة دون تحميل الأجيال المقبلة فاتورة سوء الإدارة.

وفيما يتعلق بالتوسع العمراني والنمو السكاني، دافع حسان عن مدينة «عمرة» الجديدة بذكاء استشرافي ونظرة ثاقبة للمستقبل، محذراً من اختناق العاصمة عمان والزرقاء اللتين ستصلان لنحو أحد عشر مليون نسمة في غضون عقود قليلة، مما سيجعل جودة الحياة فيهما مستحيلة.

حسان قدم «عمرة» ليس كمدينة للنخبة أو مشروع عقاري للربح، بل كحل اجتماعي واقتصادي يوفر السكن الكريم للمتقاعدين العسكريين والمدنيين والطبقة المتوسطة والشباب بأسعار مقبولة وتسهيلات حكومية، وكمركز حيوي يضم مرافق عالمية واستاداً دولياً ومراكز معارض لم تعد العاصمة المزدحمة قادرة على استيعابها.

هذه النظرة الاستباقية تعكس رغبة الحكومة في عدم انتظار الأزمة لتقوم بردة فعل، بل البدء في التخطيط لعقدين قادمين يضمنان حياة منظمة تليق بالأردنيين وتخفف الضغط الهائل على البنية التحتية في المدن القائمة حالياً.

وعلى الصعيد السياسي والاجتماعي، اتسم حديث حسان بالهدوء والاتزان، خاصة في ملف التحديث السياسي والعلاقة مع البرلمان والجهات الحزبية. لقد استخدم مصطلح «التعاون المشترك» بدلاً من «المغالبة»، معتبراً أن مجلس النواب القوي هو ذراع مساندة للحكومة في تنفيذ رؤى التحديث، وأن الإصلاح الحقيقي لا يمر عبر القفز على المؤسسات بل عبر استنزاف الوقت في الحوار والتفاوض، حتى وإن بدا ذلك بطيئاً أو مرهقاً سياسياً.

هذا النفس التشاركي امتد ليشمل الشباب، الذين خصهم الرئيس برسائل مليئة بالأمل الممزوج بالمسؤولية، مشدداً على أن الحكومة تراهن على الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا ليكون الأردن مصدراً للكفاءات الرقمية لا مصدراً للمهاجرين، مؤكداً أن التعليم المهني والتقني هو المخرج الحقيقي من مأزق البطالة، وأن التحول الرقمي لن ينجح دون تأهيل حقيقي للمعلمين والطلبة على حد سواء.

وفي بعد اجتماعي – وطني لافت، أعاد حسان التذكير ببرنامج خدمة العلم، لا بوصفه إجراءً انضباطياً صرفاً، بل كأداة لإعادة بناء الشخصية الوطنية الجامعة في زمن التفكك الرقمي والاغتراب الاجتماعي، في محاولة لربط الهوية بالفعل والانخراط العملي، لا بالشعارات المجردة.

ولم يغفل الرئيس ملف النظافة العامة والبنية البيئية، وهو ملف غالباً ما يُنظر إليه كهامش خدمي، رغم أثره المباشر على صورة الدولة وجودة الحياة، ربط حسان هذا الملف بتطبيق القانون وتغيير السلوك المجتمعي، في إشارة إلى أن الدولة القوية لا تُقاس فقط بالمشاريع العملاقة، بل بقدرتها على إدارة التفاصيل اليومية التي تصنع شعور المواطن بالانتماء أو النفور.
وفي البوصلة الخارجية، كان حسان «أردنياً خالصاً» في طرحه، حيث ربط بين الدبلوماسية الأردنية الحكيمة بقيادة جلالة الملك وبين المصالح الوطنية العليا، وفي الملف الفلسطيني، كان الموقف حازماً وواضحاً؛ فصمود الفلسطيني على أرضه في الضفة وغزة هو حجر الزاوية في الأمن الوطني الأردني، وأي محاولة للتهجير هي خط أحمر وجريمة ضد الإنسانية سيتصدى لها الأردن بكل ثقله.

أما في الملف السوري، فقد اتسمت لغة الرئيس بالبراغماتية الممزوجة بالحرص على الجوار؛ فنحن مع استقرار سوريا وسيادتها، لكننا في الوقت ذاته نطالب بحقوقنا المائية التاريخية بكل صراحة، معتبرين أن حق الأردني في الماء هو قضية أمن وطني لا تقبل القسمة على اثنين ولا تخضع للمجاملات السياسية العابرة.

ولا يمكن إغفال البعد الشخصي في المقابلة، حين تحدث حسان عن تجربته الطويلة في العمل العام وتأثره بنهج جلالة الملك القائم على المتابعة الدقيقة والعمل الميداني، وهو ما يفسر إصراره على النزول إلى التفاصيل ورفضه الاكتفاء بدور المنسق من خلف المكاتب.

يمكن القول إن جعفر حسان خرج من المواجهة التلفزيونية وهو يضع مصداقية الحكومة والسياسية بالكامل على المحك أمام الشارع الأردني، مقدماً نموذجاً للرئيس الذي لا يملك ترف الوقت للخطابات الإنشائية أو الوعود التي تذوب مع أول شروق شمس، فقد حدد مواعيد، ورسم خرائط، وسمى مشاريع بعينها، ووضع أرقاماً للنمو والمديونية، مما يجعل العامين القادمين هما الاختبار الحقيقي لقدرة الدولة على تحويل هذا المخطط الطموح إلى واقع يغير وجه المعيشة ويرفع سوية الخدمات.

الأردنيون اليوم، الذين استمعوا لهذا الحديث بآمال عريضة وحذر مشروع، ينتظرون آذار المقبل ليروا أولى ثمار هذه المكاشفة، ويبدو أن حسان واثق من بوصلته التي تشير لاتجاه واحد: العمل بصمت، والمتابعة بحزم، والإنجاز بضجيج النتائج التي لا تكذب.