حين يُزَجّ بالشعوب في الخلاف
محمد الحواري
«دعوا الشعوب ولا تزجّوا بها في الخلاف…الشرخ بين الزعماء يسهل رأبه، أمّا الشرخ بين الشعوب فيورث حقدًا أسود، تتوارثه الأجيال».
بهذه العبارة المكثفة، اختصر غازي القصيبي واحدة من أخطر سنن التاريخ السياسي والاجتماعي: حين تنتقل الخصومة من طاولة السياسة إلى وجدان الشعوب، تصبح جرحًا مفتوحًا لا يندمل بسهولة، وتتحول الخلافات العابرة إلى أحقاد راسخة تعيش أطول من أعمار أصحابها.
اليوم، ونحن نراقب حال الأمة العربية، يبدو أن هذا التحذير لم يُؤخذ بالجدية الكافية. فما نشهده لم يعد خلافات بين أنظمة أو تباينات في المواقف السياسية، بل حالة استقطاب شعبي حاد، غذّته لغة إعلامية متشنجة، وخطابات تعبئة، ومنصات رقمية حوّلت الخلاف السياسي إلى عداوة اجتماعية، والاختلاف في الرأي إلى تخوين.
في التاريخ العربي الحديث، كانت الخلافات الكبرى — مهما اشتدت — تُدار في إطارها السياسي. تغيرت تحالفات، وسقطت أنظمة، وتصالح خصوم الأمس، وبقيت الشعوب خارج دائرة الكراهية المباشرة. أما اليوم، فقد انكسر هذا الحاجز. صار المواطن العربي يُستدرج ليكون طرفًا في معركة لا يملك أدواتها ولا قرارها، لكنه يدفع ثمنها وِجدانًا، وانقسامًا، وقطيعة مع أقرب الناس إليه.
الخطر هنا لا يكمن في الخلاف ذاته، فالاختلاف سنة من سنن البشر، بل في تسييس المشاعر الشعبية، وتحويل الهوية، والمظلومية، والانتماء، إلى أدوات صراع. حين يُقنع الناس أن كرامتهم مرهونة بكراهية الآخر، وأن أمنهم لا يتحقق إلا بإلغائه، نكون قد انتقلنا من خلاف يمكن احتواؤه، إلى شرخ أخلاقي عميق، يصعب ترميمه.
الأمم لا تنهار فقط بالحروب، بل حين تفقد قدرتها على التعايش الداخلي، وعلى الفصل بين الموقف السياسي والعلاقة الإنسانية. وحين تُربّى الأجيال الجديدة على سرديات الكراهية، يصبح المستقبل أسيرًا لماضٍ مشوّه، وتتحول الذاكرة الجمعية إلى عبء بدل أن تكون مصدر حكمة.
ما تحتاجه الأمة العربية اليوم ليس اتفاقًا سياسيًا شاملًا — فهذا حلم بعيد — بل اتفاقًا أخلاقيًا على تحييد الشعوب عن معارك النفوذ، وعلى إعادة الاعتبار للغة العقل، والإنسان، والمصلحة المشتركة. تحتاج إلى إعلام يشرح دون تحريض، وينتقد دون شيطنة، ويختلف دون أن يزرع الأحقاد.
لقد أصاب غازي القصيبي جوهر المسألة: الزعماء يختلفون ويتصالحون، أما الشعوب، فإذا كُسرت بينها الجسور، فإن ترميمها قد يحتاج أجيالًا كاملة. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم بصدق: هل نملك ترف توريث الكراهية، أم أننا أحوج ما نكون إلى توريث الحكمة؟