غزّة… أحلامٌ تحت الركام
خالد مفلح البداوي
في غزّة لا ينهار الحجر وحده، بل تسقط معه أحلامٌ كانت تكبر بصمت داخل البيوت. بيتٌ يُهدم لا يعني جدراناً مكسورة فقط، بل ذاكرة عائلة، وضحكات أطفال، وأحلاماً كانت معلّقة على جدار غرفة صغيرة. فالبيت المهدّم جريمة، أينما كان موقعه على الخريطة، لأن الألم لا جنسية له. كل قصفٍ هناك يسرق حلماً، وكل غارة تُنهي قصة لم تُروَ بعد.
حين يُهدم البيت، لا يُهجَّر الإنسان من مكانه فقط، بل من مستقبله. شابٌ كان يحلم بوظيفة، طفلة كانت تخطط لمدرستها الجديدة، أمّ كانت تؤجل تعبها إلى يومٍ أكثر أمناً. فجأة، يصبح الحلم رفاهية، ويغدو البقاء هو الهدف الوحيد. فالإنسان الذي يُسلب أمانه هنا لا يقل إنسانية عن أي إنسان آخر في هذا العالم.
وموت الأعزاء هو الوجع الأكبر. ليس لأن الفقد قاسٍ فحسب، بل لأنه يترك فراغاً لا يملؤه شيء. في غزّة، لا يُمنح الناس وقتاً للحزن؛ الفقد يتكرر، والدموع تُختصر، لأن الخطر لم ينتهِ بعد. هناك أمهات فقدن أبناءهن، وأبناء ودّعوا آباءهم دون أن يفهموا لماذا. والموت، مهما حاول البعض تبريره، يبقى موتاً بريئاً لا سياق يخفف فاجعته.
الأحلام التي تحطمت في غزّة ليست فردية، بل جماعية. مدينةٌ كاملة كانت تحلم بالحياة الطبيعية: بيت آمن، مدرسة بلا خوف، ليلٍ هادئ، وصباحٍ لا يبدأ بصوت الانفجار. لكن هذه الأحلام تُستهدف كما تُستهدف البيوت، وكأن المطلوب ليس فقط كسر الحجر، بل كسر الإرادة. وهنا تتجلى الازدواجية، حين تُدان الجريمة في مكان، وتُبرَّر في مكان آخر.
ورغم كل ذلك، يبقى في غزّة شيء عصيّ على التدمير. فبين الركام، يولد إصرار غريب على الحلم من جديد، حتى لو كان حلماً صغيراً. لأن من يُحرم من الحلم ظلماً، لا يفقد حقه فيه، بل يتمسك به أكثر، ما دام القلب نابضاً.
غزّة اليوم ليست مجرد مأساة إنسانية، بل اختبار أخلاقي للعالم. عالم يرى الانكسار، ويزن الألم بمعايير مزدوجة. ومع كل بيتٍ يُهدم، وكل عزيزٍ يُفقد، يبقى السؤال معلقاً: كم حلماً يجب أن يُدفن تحت الركام، قبل أن يتوقف العالم عن انتقاء إنسانيته، ويصحو الضمير الإنساني