هل تُدار المجالس الصحية العليا بهذه الطريقة؟
بقلم: د. عادل محمد الوهادنة
استشاري المناعة السريرية وأمراض الروماتيزم، سؤال إدارة المجلس الصحي العالي اليوم هو سؤال في مكانه، والإجابة الصادقة هي: جزئيًا نعم، لكن بهذه الصيغة لا تزال الإدارة دون المستوى المطلوب لمجلس يُفترض أن يكون المرجعية الصحية العليا للدولة.
وأحاول هنا تفكيك المشهد بهدوء، ومن دون انفعال أو تصفية حسابات، انطلاقًا من منطق الحوكمة الصحية الرشيدة لا من منطق الأشخاص.
أولًا: من حيث المبدأ
إعادة تفعيل المجلس الصحي العالي والإبقاء عليه خطوة صحيحة ومتأخرة في آن واحد، وتراجع محمود عن مسار كان سيُضعف الحوكمة الصحية الوطنية ويُبقي القرار الصحي مشتتًا بين وزارات ومؤسسات متعددة. وجود مجلس أعلى منصوص عليه بقانون ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة لأي دولة تسعى إلى سياسة صحية وطنية مستقرة، متماسكة، وقابلة للاستدامة.
ثانيًا: من حيث التركيبة الحالية
تبرز هنا إشكالية بنيوية واضحة؛ فالمجلس مكوّن من عدد كبير من الوزراء التنفيذيين وممثلي القطاعات المختلفة ومقدمي الخدمة الصحية. هذا يعني أن صانع السياسة، وممولها، ومنفذها، يجلسون جميعًا على الطاولة نفسها، من دون فصل واضح بين دور الحوكمة ودور التشغيل.
هذا النموذج، ولو بحسن نية، يُضعف استقلالية القرار الصحي، ويحوّل المجلس تدريجيًا إلى منصة تنسيقية أو تفاوضية، لا إلى عقل استراتيجي سيادي يضع الأولويات الوطنية ويحاسب على النتائج.
ثالثًا: من حيث الإدارة والرئاسة
رئاسة وزير الصحة للمجلس مفهومة سياسيًا، لكنها صحيًا وإداريًا ليست النموذج الأمثل. في النماذج الرشيدة للحوكمة الصحية، يكون المجلس الصحي الأعلى مظلة فوق الوزارات، لا امتدادًا لها. دوره أن يراقب ويُقيّم ويُصحّح المسار، لا أن يكون جزءًا من التفاصيل التشغيلية اليومية.
رئاسة الوزير تجعل المجلس عمليًا قريبًا من عقل الوزارة التنفيذي، لا مرجعية أعلى تُقوِّم الأداء الوطني ككل.
رابعًا: من حيث طبيعة الاجتماع الأول
اللغة المستخدمة في مخرجات الاجتماع الأول لغة عامة، إنشائية، وتكرارية:
تنسيق، توحيد الجهود، شراكات، أدلة علمية، رفع الكفاءة.
كلها عناوين صحيحة ومهمة، لكنها لا تعكس بعد انتقال المجلس إلى مرحلة السياسات الصحية الصلبة. السؤال المشروع هنا: أين جدول الأولويات الوطني المُعلن؟ أين القضايا المفصلية مثل ازدواجية الخدمات، التمويل الصحي، التأمين، توزيع الموارد، التخصصات النادرة؟ أين آليات الإلزام والمساءلة ومؤشرات القياس؟
خامسًا: جوهر السؤال الحقيقي
هل هذه هي الطريقة التي يجب أن يُدار بها المجلس الصحي الأعلى؟
الإجابة المهنية الواضحة: لا. هذه مرحلة انتقالية مقبولة، لكنها ليست الصيغة النهائية الصحيحة.
الصيغة السليمة التي ينبغي أن يتطور إليها المجلس تشمل:
مجلسًا أقل عددًا وأعلى كفاءة، أغلبية أعضائه من خبراء سياسات صحية مستقلين، تمثيلًا حكوميًا محدودًا، فصلًا واضحًا بين الحوكمة والتنفيذ، جهازًا فنيًا تحليليًا دائمًا، قرارات ملزمة ومعلنة، وتقارير دورية شفافة تُعرض على صانع القرار والرأي العام معًا.
الخلاصة
ما جرى هو خطوة تصحيحية مهمة، لكنه ليس إنجازًا نهائيًا. الخطر الحقيقي لا يكمن في إعادة التفعيل، بل في الاكتفاء بالشكل دون تغيير جوهر الدور.
إذا بقي المجلس بعقلية تنسيقية فضفاضة، سنعود بعد سنوات لطرح السؤال نفسه. أما إذا تطور إلى مجلس سياسات صحيّة مستقل فعليًا، فسيكون أحد أهم إنجازات الحوكمة الصحية في الأردن.
والحقيقة التي لا تحتمل المجاملة: الصحة لا تُدار بالنوايا الحسنة وحدها، بل بالقرار الصعب المدعوم بالبيانات.