الصمت الإداري: أخطر من القرار الخاطئ

ماجد احمد السبيه

في العمل العام، لا تُقاس المسؤولية فقط بصواب القرارات، بل بوجودها من الأساس. فبين قرار خاطئ يمكن مراجعته، وصمت إداري يعلّق كل شيء، يظهر الفرق الجوهري بين إدارة تخطئ وتتعلم، وإدارة تتوقف وتترك الزمن يتولى إرباك المشهد. الصمت هنا ليس حيادًا ولا حذرًا، بل فعل سلبي تتراكم كلفته دون أن يترك بصمات واضحة للمساءلة.

القرار الخاطئ، مهما بلغت تبعاته، يظل قابلاً للتقويم والتصحيح، لأنه يفتح مسارًا واضحًا للفعل، ويُظهر جهة المسؤولية، ويمنح المؤسسة فرصة التعلم. أما الصمت الإداري فيخلق فراغًا؛ تتعطل فيه الإجراءات، وتُربك فيه الصلاحيات، ويُترك الموظف بين انتظار لا نهاية له واجتهاد غير محمي. في هذا الفراغ، تتآكل الثقة، ويصبح الوقت نفسه خسارة صافية.

ثقافة الصمت غالبًا ما تتغذى على الخوف من المحاسبة، أو على فهم مغلوط للسلامة الوظيفية، حيث يُكافأ تجنب المخاطرة أكثر من المبادرة المحسوبة. ومع الوقت، يتحول الامتناع عن القرار إلى سلوك مؤسسي، وتصبح عبارة "بانتظار التوجيه” أسلوب عمل لا حالة استثنائية. هنا لا يتعطل مشروع بعينه فقط، بل تتعطل الروح الهنية، ويُعاد تعريف الإنجاز بوصفه غياب الخطأ لا تحقق الهدف.

الأثر الأعمق للصمت الإداري يظهر في إدارة الموارد. تتأخر المشتريات، تتجمد التعيينات، تتعطل الصيانة، وتتراكم الطلبات، بينما لا يوجد قرار يُخطئ ولا قرار يُصيب. النتيجة أن المؤسسة تدفع ثمنًا أعلى لاحقًا لمعالجة تأخير كان يمكن تجنبه بقرار مبكر حتى لو لم يكن مثاليًا. الكلفة المؤجلة، في الإدارة، غالبًا ما تكون مضاعفة.

كما أن الصمت يربك منظومة المساءلة. فالقرار الخاطئ يُناقَش، ويُراجَع، ويُحمَل على مسؤول محدد. أما الصمت فلا صاحب له، ولا توقيع تحته، ولا مسار واضح لمراجعته. يتبدد فيه مفهوم المسؤولية، وتختلط الأدوار، ويُترك المجال للتأويل والشائعات بدل الحقائق والبيانات.

النقد هنا لا يستهدف أفرادًا بقدر ما يستهدف نمطًا. فالإدارة الرشيدة لا تعني العصمة من الخطأ، بل امتلاك الشجاعة المؤسسية لاتخاذ قرار في الوقت المناسب، مع الاستعداد لتحمل تبعاته وتصحيحه عند الحاجة. القرار المتأخر قد يكون أخطر من القرار الخاطئ، لأن الزمن عنصر حاسم لا ينتظر اكتمال القناعة.

التوصية العملية تبدأ بإعادة الاعتبار للقرار بوصفه أداة إدارة لا مخاطرة شخصية. يتطلب ذلك وضوح الصلاحيات، وحماية القرار المهني حسن النية، وتفعيل آليات مراجعة لاحقة تميّز بين الخطأ المهني والتقصير. كما يتطلب قياس الأداء بما تحقق من نتائج لا بما تم تجنبه من أخطاء.

في النهاية، الإدارة التي تخطئ وهي تتحرك أقدر على التعلم من إدارة تصيب وهي صامتة. فالحركة تولد معرفة، والقرار— وإن كان ناقصًا—يفتح باب التحسين. أما الصمت الإداري، فبابه واحد: تعطيل بلا ضجيج، وخسارة بلا شاهد.