الشراكة الأردنية–الأوروبية: فرصة تاريخية
مع إعلان جلالة الملك عن إطلاق مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية الأردنية–الأوروبية، يدخل الأردن منعطفًا مهمًا في علاقته مع أحد أهم التكتلات السياسية والاقتصادية في العالم. هذه الشراكة لا ينبغي النظر إليها بوصفها حدثًا دبلوماسيًا عابرًا، بل كفرصة حقيقية لإعادة تموضع الأردن اقتصاديًا وتنمويًا في إقليم مضطرب وعالم سريع التحول.
الاتحاد الأوروبي شريك يمتلك الخبرة، والتمويل، والأسواق، والمعرفة المتقدمة، بينما يمتلك الأردن الاستقرار السياسي، والموقع الجغرافي، والموارد البشرية الشابة. غير أن الجمع بين هذه العناصر لن يتحقق تلقائيًا، بل يتطلب عملًا داخليًا جادًا، وإرادة إصلاح حقيقية، وانتقالًا من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الفرص.
اقتصاديًا، يمكن للشراكة أن تكون رافعة للنمو إذا ما أحسن الأردن استغلالها في جذب الاستثمارات النوعية، خصوصًا في قطاعات الطاقة المتجددة، والهيدروجين الأخضر، والصناعات الدوائية، وتكنولوجيا المعلومات. لكن الوصول إلى السوق الأوروبية لا يكون بالشعارات، بل بمواءمة المعايير، ورفع جودة المنتج الأردني، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة لتكون قادرة على المنافسة.
أما على صعيد التشغيل، فإن الشراكة تمثل فرصة حقيقية لمعالجة التحدي الأكبر في الأردن: البطالة، خاصة بين الشباب. المطلوب هنا ربط التعليم والتدريب المهني باحتياجات السوق، والاستفادة من برامج التدريب والتبادل الأوروبية، وبناء مهارات حقيقية في الاقتصاد الرقمي والابتكار، بدل الاكتفاء بتخريج أعداد متزايدة من حملة الشهادات دون فرص.
مؤسسيًا، لا يمكن لأي شراكة أن تنجح دون بيئة داخلية جاذبة. الإصلاح الإداري، ومحاربة البيروقراطية، وتعزيز الشفافية، وتحديث التشريعات الاقتصادية، ليست مطالب خارجية بقدر ما هي مصلحة وطنية. فالشريك الأوروبي يبحث عن الاستقرار القانوني وسرعة القرار بقدر ما يبحث عن الفرص.
كما أن البعد البيئي والمناخي في هذه الشراكة يكتسب أهمية خاصة، في ظل تحديات المياه والطاقة التي يواجهها الأردن. التمويل الأوروبي والخبرة الفنية يمكن أن يشكلا فارقًا حقيقيًا إذا ما وُجها ضمن رؤية وطنية واضحة ومستدامة، لا مشاريع متفرقة بلا أثر طويل الأمد.
في المحصلة، التحدي الحقيقي لا يكمن في توقيع الاتفاقيات، بل في القدرة على تحويلها إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن. الشراكة الأردنية–الأوروبية فرصة استراتيجية، لكن نجاحها مرهون بجاهزيتنا الداخلية، وبقدرتنا على العمل كدولة ومجتمع وقطاع خاص بروح الشراكة والمسؤولية.
فإما أن تكون هذه المرحلة الجديدة نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر قوة وعدالة، أو أن تبقى عنوانًا أنيقًا يضاف إلى أرشيف البيانات الرسمية. والفرق بين الاحتمالين… هو التنفيذ المسؤول الذي يحقق مصلحة وطن