نستقبل سؤال المصير
علي ابو حبلة
نودّع عامًا ونستقبل عامًا جديدًا، لكن السؤال المصيري الذي يفرض نفسه بإلحاح:
هل تغيّر شيء في مستقبل أمتنا؟
وإلى متى سيبقى حالنا العربي والفلسطيني يتدهور من أزمة إلى أخرى، ومن انقسام إلى أعمق منه؟
ومتى نمتلك شجاعة الانتصار على أنفسنا، على خلافاتنا وانقساماتنا، قبل أن نطالب بالنصر على أعدائنا؟
لقد كان العام المنصرم عامًا ثقيلاً في كلفته الإنسانية والسياسية، عامًا وُسِم بالحرب المفتوحة على غزة، حيث تعرّض القطاع لعدوان إسرائيلي غير مسبوق في شدته واتساعه، خلّف عشرات آلاف الشهداء والجرحى، ودمارًا واسعًا طال البشر والحجر، واستهدف المنازل والمستشفيات ودور العبادة والبنية التحتية، في جريمة مركبة تُشكّل وفق القانون الدولي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ورغم انتهاء العمليات العسكرية الواسعة، ما زالت غزة تعيش حربًا من نوع آخر: حرب الحصار، وتعطيل جهود الإعمار، وعرقلة إدخال المساعدات الإنسانية، وسط عجز دولي وصمت سياسي، ووعود لم تتحقق، ومؤتمرات لم تترجم إلى أفعال. فأهل غزة يُتركون وحدهم في مواجهة الجوع والمرض والبرد، وكأن الإغاثة باتت ورقة ابتزاز سياسي، لا واجبًا إنسانيًا وأخلاقيًا.
وفي الضفة الغربية، لم يكن المشهد أقل خطورة. فقد شهد العام المنصرم توسعًا غير مسبوق في مصادرة الأراضي الفلسطينية، وتسارعًا محمومًا في بناء المستوطنات والبؤر الاستيطانية، ضمن سياسة إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى فرض وقائع نهائية على الأرض، وتقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا.
وترافق ذلك مع حملة عسكرية إسرائيلية مستمرة في عموم الضفة الغربية، تركزت بشكل خاص في شمالها، حيث تعرّضت مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس لاجتياحات متكررة، استخدمت فيها القوة المفرطة، ورافقها تدمير للمنازل والبنية التحتية، وتهجير قسري لعائلات فلسطينية، في مشهد يعيد إلى الأذهان أبشع فصول العقاب الجماعي.
أما القدس الشرقية، فكانت ولا تزال في قلب الاستهداف، من خلال تسريع عمليات التهويد، واقتحام المسجد الأقصى، وتشديد القيود على المقدسيين، إلى جانب تصاعد اعتداءات المستوطنين بحماية جيش الاحتلال، في محاولة لفرض تغيير ديمغرافي وجغرافي يمس جوهر المدينة وهويتها العربية والإسلامية والمسيحية.
وفي موازاة ذلك، كثّفت سلطات الاحتلال من سياسة العزل الجغرافي، عبر إقامة مئات الحواجز والبوابات العسكرية، التي قطّعت أوصال الضفة الغربية، وحوّلت مدنها وقراها إلى كنتونات معزولة، تخضع لمنطق التحكم العسكري اليومي، في انتهاك صارخ لحرية الحركة، وكرامة الإنسان، وأبسط حقوقه المعيشية.
كل ذلك يجري في ظل صمت دولي مريب، وتواطؤ سياسي مكشوف، واستمرار الدعم الأمريكي والغربي غير المشروط لإسرائيل، رغم وضوح الانتهاكات، وتراكم التقارير الدولية التي تدين سياسات الاحتلال. أما عربيًا، فما زال المشهد الرسمي يعاني من التردد والانقسام، في وقت تتحرك فيه الشعوب والضمائر الحية لتقول إن فلسطين ليست وحدها.
وعلى الصعيد الفلسطيني الداخلي، ما زال الانقسام يلقي بظلاله الثقيلة على المشهد الوطني، ويُضعف القدرة على مواجهة التحديات الوجودية التي تهدد القضية الفلسطينية برمتها. فكيف نواجه مشروع التصفية ونحن منقسمون؟ وكيف نطالب العالم بالعدالة ونحن عاجزون عن توحيد صفوفنا؟
نودّع عامًا كان عنوانه الألم، ونستقبل عامًا جديدًا محمّلين بالأسئلة والمخاوف، لكن الأمل لا يُقتل، طالما بقي الوعي حيًا، والإرادة الشعبية حاضرة، والإيمان بعدالة القضية راسخًا. فالتغيير الحقيقي يبدأ من الداخل، من مراجعة الذات، ومن استعادة الوحدة، وبناء مشروع وطني جامع قادر على الصمود والمواجهة.
وصدق الله العظيم حين قال:
(إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ).