المجالي يكتب :"هاجس"
عبدالهادي راجي المجالي
تكتب الكثير من الرسائل لرئيس وزرائنا الحالي ، أقرأ كثيرا منها في المواقع ، وعلى صفحات الفيس بوك ، وكلها تتعلق بمطلب أو بنصيحة ، أو بتزلف مقنن أو بهجوم غير مبرر ...
أيحق لي أن أكتب هاجسا للرئيس جعفر حسان ..تلك ليست رسالة وإنما (هاجس ) ..
أنا لست بموجه ولا ناصح ، أنا فقط أقرأ (الممحي) ..هكذا تعلمت من العمر المضيع بين الوهم ، وبين الوهم الذي عشناه ..كل شيء صار وهما ..الحقيقة الوحيدة في حياتنا هي : أن الوهم تسيد كل شيء .
عزيزنا الرئيس ..
ثمة حركة مريبة تشهدها الدولة ، حركة مرعبة سأختصرها لك بجملة واحدة وهي : انتقال الصحفي من موقع الرقابة والمشورة ، إلى موقع صنع القرار ...من يطبخون القرار في الدولة الان هم مجموعة من الصحفيين الذين (تابوا) بعد مدة بفعل الدلال الرسمي والمعالجة التأهيلية ..لكن هل هذا صحيح ؟
هذا ليس سرا ولا مزحة ، في الأردن إذا أردت أن تكون وزيرا مقبولا حسن الأداء عليك أن تظهر على قناة المملكة ، وإذا أردت أن تكون معارضا جسورا فرؤيا ستفتح أبوابها لك ، ولكن على خجل ...إنه تبادل أدوار مريب ، ولا أقفز عن الحقيقة إن قلت لك أن معظم وزرائك هم صناعة قناة المملكة (عد على ايديك) : مازن الفراية ، وليد المصري ، خالد البكار ، العودات ..وتطول القائمة ..ولا أكذب أيضا إن قلت أن حكومة الرزاز بمجملها هي صناعة قناة المملكة أيضا ، ذاك ليس سرا أفضحه ، بل هو حديث يتداوله الجميع في مجالسنا ..
عزيزنا الرئيس
هناك فارق بين منهجية وبنية الجزيرة وغيرها من القنوات ، الجزيرة لا تجرؤ على بث خبر عن الشأن الداخلي القطري ، دون إذن ..لكنها ذراع لمشروع الدولة الخارجي ، بالمقابل المملكة حضورها الخارجي هو (الصفر المطلق) بالمقابل هي المطبخ والقرار داخليا ...هي لا تحتاج لأمر أو تدخل من أجل إسقاط بشر الخصاونة ، في ذات الوقت لا تحتاج أيضا لأمر من أجل ترويجك وتقديمك كرئيس مختلف .
هذه توطئة ..كان لابد من سردها على مسمعك ..
في عالمنا العربي حين يصبح الصحفي منتج قرار ، فعليك أن تضع يديك على قلبك ..وعليك أن تصرخ بملء فمك : المجتمع في خطر ...خذ مثلا محمد حسنين هيكل هذا الرجل كان مصنع القرار لدى عبدالناصر ، حين جاء السادات ..حاول محمد حسنين هيكل ممارسة الوعي على السلطة ، وأخطر داء يصاب به الصحفي أو تتضخم أدواته حين يصبح موجها للسلطة لا ناقدا لها ، على الفور قام السادات بتوجيه صفعة له ، وأدخله السجن ..وجعله يتناول (الطعمية) وخبز الشعير ...ذاك لم يكن عقابا بل هذا الأمر جعل محمد حسنين هيكل يفيق ويحدد هويته بكلمة واحدة وهي الأستاذ ، ترك السياسة بعدها وأطل على المجتمع من زاوية مهنته الأصلية وهي المفكر والصحفي ...وأنتج كتابه خريف الغضب ، الذي أعلن عبره العودة إلى الصحافة فقط .
لنتجاوز هيكل وتعال لنقرأ التجربة اللبنانية عبر كريم بقردوني ، الصحفي والمفكر الكتائبي فيما بعد ..حين قاموا بإدخاله إلى الكتائب كي يكون منظرا للحزب وسندا لبشير القادم لرئاسة الدولة ، أول شيء أنتجه كريم بقردوني هو إقامة علاقة ود مع شامير ومناحيم بيغن وشارون ، وأول بشائر تلك العلاقة كانت دخول الجيش الإسرائيلي لبيروت ، ومن نتائجها انهيار الكتائب ، كريم بقردوني كان الغلطة التاريخية في لبنان وليس في الكتائب ..كانت العلاقة مع إسرائيل هي مشروعه والعداء مع القوى الوطنية اللبنانية هي مخططاته التي طبقت على الأرض ..في النهاية عزل ، وحاول العودة للساحة عبر التوبة وتقديم قرابين الإنبطاح للنظام السوري المخلوع ..لكن أحدا لم يقترب منه لأن وصفاته كانت تعني الهلاك ..علما بأن أمين معلوف كان مؤهلا لحمل هذا الدور ، إلا أنه رفض وغادر فرنسا وهناك في السوربون أنتج من فكره منهجا وكتبا تدرس ..لم يجرؤ أحد أن يعرف الهوية مثلما عرفها أمين معلوف .
عزيزنا الرئيس تجاوز كل ذلك
لنقرأ جمال خاشقجي جيدا ، جمال هو مهندس ذبح العراق إعلاميا ..هو من أطل على شاشات الغرب وحدثهم باللغة الإنجليزية ، وبرر إسقاط النظام ..هو من بشر بالديمقراطية وتغيير وجه المنطقة ، جمال تجاوز مرحلة الصحفي ..إلى مرحلة صداقة (البرادعي) وحثه والتأثير عليه ، من أجل تضخيم البرنامج النووي ...لكن جمال نسي أنه مجرد رجل ولا يجرؤ أن يكون أكبر من السلطة ، وأول من مرر عملية تقطيع جسده هم الأمريكان الذين حملوه ودللوه وقدموه على كل منابرهم ..
لنتجاوز عن جمال ولنقرأ لونا الشبل ..
كانت تجربة دامية بكل أوجهها ، هي الوحيدة التي تجرأت على الرئيس الذي سمي (بالطاغية ) من قبل المعارضة ، هي التي ظهرت أمام الصحفيين وطلبت منهم الإقتراب وقدمت مزحة سمجة حين خاطبتهم بجملة : (شو شايفينو وحش؟؟) ..ماذا كانت النهايات ...؟
هل أسرد نماذج أكثر ..هل أعرج على سعد البزاز مثلا ، الذي قدم عدي وأنتجه كحالة رعب في المجتمع ، وكان خلف كل قرار يتخذه عدي صدام حسين... ثم هرب فيما بعد من العراق تاركا ألف جرح وألف سؤال.
حسنا لنكتف بذلك ، ودعني أقول لك سرا ..إن أخطر انحراف حدث في السياسة الأردنية ، هو إحضارها لثلاثة صحفيين (تائبين) وتسليمهم مواقع متقدمة في الدولة ، ثم تركهم في الإعلام من أجل صياغة رواية شبه رسمية حين اندلعت أحداث (غ ز ة) ...الغريب أن وزيرخارجيتنا كان يقدم رواية مناقضة تماما لرواية (الثلاثي المرح) ... وهؤلاء الثلاثي تفنن أحدهم بشتم المقاومة ، وتفنن الاخر بتعليمنا أصول الولاء والإنتماء ، والثالث تفنن بتعليمنا أنماط التفكير العقلانية التي تلغي فينا القومية والدين والضمير والتاريخ والعروبة .
لقد تهنا وقتها ..كأن الدولة تتصارع مع بعضها ، وكأن وزير خارجيتنا هو العدو ..أو أن المؤسسات صارت تتنافس وتناكف بعضها ، لم نفهم المشهد ..ولكنه الأردن ..والأردن عليك أن تقبل كل شيء فيه .
عزيزنا الرئيس
طارق مصاروة وفهد الفانك وجورج حداد وراكان المجالي وفهد الريماوي ..وغيرهم من جهابذة الكتابة في الثمانينات والسبعينات ، لم يجرؤ أحد فيهم أن يملي على السلطة جملة واحدة ، لسبب بسيط وهو أن وظيفتهم كانت : إنتاج المبررات لقرارات السلطة الخطرة ..وتلك أعلى حالات الوطنية لدى الصحفي ، ولكن أن نصل لمرحلة يصبح فيها الصحفي هو المطبخ والقرار ، وهو من ينتج التقييم للمؤسسات والأفراد والسلطة تعمل بتوجيهاته ..فتلك كارثة مؤلمة جدا .
عزيزنا الرئيس
أعرف أني تجرأت وتجاوزت المسموح ، لكن وليشهد الله علي أني مخلص للعرش أكثر من إخلاصي لنبضي وقلبي ، ويشهد الله أني أحب وطني بالقدر الذي تعتيرني فيه رعشة العشق حين يعود أولادي الثلاثة لمنزلهم وألمهم في حضني جميعا ...كأن الأردن كله استلقى على جسدي ...لكن عليك أن تتحرر من سطوة الصحفي على قرارك ، وعلى الدولة أن تتحرر تماما ...
السلطة في الأردن لها عقلها وحساباتها ، لها ثقلها وحضورها ..لها هيبتها وأنا أظن أن انسلاخ الحكومة الحالية عن وصفات الصحفيين المقربين ، هي ضرورة وطنية وليست مصلحة حكومية ...نحتاج لإعادة صياغة هذه العلاقة بحيث يكون الإعلام ..سلطة رابعة فقط ، وليس سلطة تتغول على السلطات ...للعلم مازن القاضي هو الاخر ظهر كثيرا على قناة المملكة ..
والسلام على الأردن ، على شعبه ، السلام على عرشه العظيم وتاريخه ..