العِلم… وما أدراك ما العلم!


بقلم د. مأمون سليمان
كلمةٌ طالما ألبسناها ثوب المهابة والإجلال، حتى غدت عند كثيرين مرادفة للشهادات الجامعية والدرجات الأكاديمية، وكأن المعرفة لا تُولد إلا في قاعات الدرس وبين دفّات الكتب، غير أن الحقيقة أوسع من ذلك بكثير، وأبسط كذلك.

يا عزيزي القارئ، قد تمضي أربع سنوات أو أكثر لتظفر بورقةٍ تُسمّى شهادة، وتظنّ أنك بذلك أصبحت من أهل العلم، غير أنّك قد تغفل عن حقيقةٍ بسيطة: أن تعلم مهارة واحدة – مهما بدت متواضعة – هو علم، بل علم وفير، إذا ما أُتقن وتُرجم إلى أثر.

كثيرون يربطون العلم بالتخصصات الأكاديمية أو العلوم التطبيقية، وهذا لا غبار عليه، غير أن جوهر العلم لا يكمن في التخصص بقدر ما يكمن في الإتقان. فصناعة كوبٍ من الشاي بإتقان، هي علم وفنّ في آنٍ واحد، وقد تبنى على مهارةٍ كهذه إمبراطوريات اقتصادية، كما فعل صاحب وصفة «KFC» الذي بلغ علمه بعد الستين.

أذكر أنني حين كنت طالبًا في الجامعة، كنت أتكبّد عناء النزول إلى مدينة السلط(مجمع الباصات) من أجل كوب شاي في مقهى صغير؛ لأن صاحبه كان قد أبدع علمًا خاصًا في إعداد الشاي، فقد أعطاه نكهة مميزة، لن تجدها إلا عنده. صاحب المقهى لم يكن يحمل شهادة في الكيمياء أو الضيافة، ولكنه أتقن علماً عاد عليه بالنفع، وترك أثرًا في ذاكرتي إلى اليوم.

عزيزي القارئ قد تتساءل: أهذا هو العلم الذي تتحدث عنه؟ أهو مجرد مهارة يومية تُختزل في جدواها الاقتصادية؟
وجوابي: إن كل جزئية في هذه الحياة علمٌ قائم بذاته، له قيمته وجدواه، ولكن واقعنا اليوم – للأسف – جعل المعيار المادي هو المقياس الأوحد لكل علمٍ أو إنجاز.
أتذكّر أيامي في المدرسة، حين كنت أتباهى بمراكزي الأولى (ولا يعيبني ذلك) بينما زملائي الأقل تحصيلاً كانوا يصنعون سياراتٍ صغيرة ببقايا أسلاكٍ حديدية، يبدعون بأيديهم ويجرّبون ويكتشفون، فلم يكونوا يحفظون القوانين كما أفعل، لكنهم كانوا يمارسونها فعلاً، وكان علمهم نابضًا بالحياة. أما أنا، فلم أصنع حتى عَجَلاً، لأنني لم أحاول، ولم أحاول لأني، ببساطة، لم أكن أصلاً مهتمًا بالمحاولة.

ولعل مغزى القول كله: أن من يتقن إعداد كوب من الشاي، أو صنع سيارة من أسلاك، يمتلك في داخله بذرة العلم نفسها التي قد تدفعه، لو شاء، إلى تصميم سيارة كهربائية، أو إجراء عملية جراحية، أو اختراق نظامٍ إلكتروني معقّد.

العلم لا يُقاس بالمناهج ولا بالسنوات الدراسية، بل بما نُتقنه ونبدع فيه، مهما بدا بسيطًا.
فكل حركةٍ في هذا الكون تصلح أن تكون علمًا، من قيادة السيارة إلى قيادة المركبة الفضائية.
إنه الإتقان وحده، لا العنوان الأكاديمي، ما يصنع الفرق بين من يعرف، ومن يبدع.