ابو داود يكتب: ليلة القبض على.. الكرة!

رشاد ابو داود

في تلك الليلة، ليلة مباراة فريقنا الوطني على «كأس العرب»، وككل العائلات الأردنية، ترقبنا موعد المباراة بشغف مع أننا لسنا عائلة كروية. قهوة وشاي وبوشار وأكف تصفق كلما اقترب فريقنا من المرمى، وأفواه تصفر وتلعن الحظ وأحيانا الحكم.

كنت أتابع المباراة وفي نفس الوقت أراقب انفعالات أفراد العائلة. كأنهم ليسوا هم الذين أعرفهم. بعضهم يتخلى عن وقاره ويقفز من مكانه، وبعضهم عن خجله ويصرخ مشجعا، وبعضهم يشتم. وعند الهدف الأردني الكل وقف وصاح ابتهاجا بما فيهم أنا.

لكرة القدم قيمة معنوية تتجاوز كونها لعبة أو منافسة باعتبارها ظاهرة إنسانية وثقافية ذات أبعاد نفسية واجتماعية ووطنية. فهي تعزز الشعور بالانتماء، وفي حالات الفوز أو الخسارة تتجسد الهوية الجماعية وتختصر المشاعر في مباراة. كما أنها تمنح الناس متنفسا من ضغوط وهموم الحياة وترسخ الالتزام بالقواعد والنظام، وبأن الربح والخسارة جزء من الحياة بكل ما فيها من تقلبات.

ألا يقال «خلي عندك روح رياضية»؟

ما لا يعرفه الكثيرون أن للرياضة في الصغر دورا كبيرا في صحة الجسم في الكبر.

يستغرب أبنائي وأحفادي عندما أقول لهم إنني في المرحلة الإعدادية والثانوية كنت في فريق المدرسة ونادي العودة بمخيم الزرقاء في كرة السلة. هنا يبدأون يتهامسون ويضحكون وينظرون إلى طولي ويقولون:»كرة سلة؟؟!!». أشرح لهم: أنا لست طويلا، لكني كنت هدافا ممتازا يعتمد علي الفريق. كنت أركض إلى زون الفريق الخصم وأقف جانبا، وعندما يشن فريقي الهجوم يرمون الكرة إلي ألتقطها وأسجل هدفا مضمونا في السلة. طبعا كان رئيس الفريق يدربني دائما على مهارة تسجيل الأهداف، ونادرا ما أخطئ.

أقول لهم، كنت أيضا محترفا في الكرة الطائرة وكرة الطاولة وأحرز بطولات. طبعا يستغربون لأنني لم أمارس أيا من هذه الألعاب بعد الثانوية وحتى اليوم. ولا يصدقون إلا عندما أعرض عليهم صورا لي من تلك الأيام.

المفارقة أن اللعبة الوحيدة التي لم أمارسها هي لعبة كرة القدم. ربما لأنه لم يكن في النادي مساحة تتسع، فهو بالكاد غرفة صغيرة للإدارة والمكتبة وغرفة لتنس الطاولة وثالثة لكمال الأجسام والملاكمة، وعلى اليمين من المبنى مساحة فارغة لكرة السلة وفي نفس الوقت للكرة الطائرة. كنا نمارس اللعبتين بالتناوب، أيام في الأسبوع للسلة وأيام للطائرة.

قبل تدريبنا على اللعب كان المدرب يدربنا على تمارين لياقة بدنية، كأن نهرول حول الملعب خمسين أو ستين مرة، ونمارس تمارين الضغط على الأرض وغيرها. كنت أتقنها كلها حتى أتقنت الضغط على ثلاثة أصابع عوضا على باطن الكف، أو أن أمد إحدى ساقي وأنزل وأطلع على ساق واحدة عدة مرات.

أسهبت في الحديث عني في تلك المرحلة من العمر وأفتقدها ربما لأنني في هذه الأيام أعاني من آلام الديسك وقليلا ما أخرج من البيت. لكني أقاوم وأكابر ولا أستسلم. ففي هذه المرحلة من العمر أصبح عندي مناعة ضد الأمراض وهموم الحياة وضد أحوال العرب البائسة!