كيف سوّغنا القسوة حتى صارت الإنسانية جثة بلا صوت؟
سناء احمد شعلان
لم يعد الحديث عن القتل مجرد إشارة إلى حادثة معزولة تمرّ مرور الكرام في الصحف ومن ثم تُنسى، بل أصبح يطرح سؤالاً أعمق: كيف وصلنا إلى نقطةٍ أصبح فيها "القتل” احتمالاً يُحسب، وأحياناً يبدو وكأنّه يُمارَس دون خوفٍ كافٍ من النتائج؟ في الأردن، كما في غيره من المجتمعات، بدأ هذا الخطر يتجلّى في وقائع صادمة، تُشير إلى انهيار ليس فقط في أنظمة الردع، بل في منظومة القيم التي تُعلي من قيمة الحياة، الأمر الذي يدعونا للنظر في جذور الأمر وتأثيراته.
منذ البداية، كان المجتمع يبني منظومة من القيم تُعلِّم أن الحياة ثمينة، وأن الاعتداء عليها أمرٌ غير مقبول مطلقاً. لكن اليوم، وفي ظل ضغوط اقتصادية واجتماعية ونفسية متصاعدة، بدأ الإحساس بقيمة الحياة يتآكل تدريجياً. وسيلة الإعلام، المنصّات الرقمية، ملفات العنف، كلّها تُشاهد وتُروى وتُعيد إنتاج العنف؛ فلم يعد الأمر مجرد "شاهدته في التلفزيون” بل صار "أُسمع عنه” ثم "أراه” ثم أدرجته في وجداننا كمحتوى يمكن تجاوزه. هذا التكرار يقلّل من وقع الصدمة، ويهيّئ النفس لتقبّل العنف كأمرٍ طبيعي أو على الأقل سهل الحدوث.
في الأردن، تشير تقارير مثل التقرير السابع لجرائم قتل النساء (آذار – مارس 2025) إلى استمرار ارتفاع عدد جرائم القتل بحقّ النساء، ما يُسلّط الضوء على ثغرات قانونية وثقافية لا تزال تتيح استمرار العنف دون رادع كافٍ. كذلك، تمّ الكشف أخيراً عن ملابسات جريمة قتل قديمة هزّت الرأي العام، حيث قضت محكمة في العاصمة عمّان بـ20 سنة أشغال مجدّدة بحقّ متهم قتل ابنته البالغة من العمر عامين خنقاً، ثم وثّق فعلته بإرسال صور إلى والدتها السابقة لإغاظتها.
هذه الوقائع ليست مجرد أرقام أو أخباراً روتينية، بل إشارات خطيرة بأن عتبة العنف قد انخفضت، وأن احتمال ارتكاب جريمة قتل صار أقلّ "تخيّلاً” وأكثر "واقعاً” لدى البعض. إنّ إمكانية ارتكاب القتل أصبحت اليوم أبسط مما كانت عليه: توفر أدوات العنف، التفكّك الاجتماعي، الضغوط النفسية، ضعف الرقابة الأسرية، وتراجع مفهوم "العقاب الاجتماعي/الأخلاقي” كلّها عوامل مجتمعة. فحين تُصبح العلاقة بين المتهم والمجني عليه ضعيفة أو غامضة، أو حين تتحوّل الخلافات إلى عداوات شخصية بلا حلول، فإن خطوة القتل قد لا تبدو للأفراد بعيدة — خصوصاً إذا شعروا بأن القانون أو المجتمع لن يسارع لمعاقبتهم.
ومع ذلك، فإن الحديث عن "سهولة القتل” لا يعني التشاؤم المطلق، بل يدعو إلى تحرّك جماعي: المجتمع ككل— الأسرة، المدرسة، الإعلام، السلطات القضائية — يجب أن يعيد بناء منظومة احترام الحياة، ويعيد التأكيد على أن القتل ليس خياراً يمكن تبريره أو التعايش معه.
يجب أن تُعطى الأولوية لدعم الصحة النفسية، والحد من المحتوى العنيف في المنصّات، وتعزيز العقاب القانوني الرادع، وتوعية الأفراد بأن كلّ حياة ثمينة، بغضّ النظر عن الخلفية أو الظروف.
ختامًا لنزيف انسانيتنا ، إنّ المجتمع الذي يفقد قدرته على رؤية الصدمة في قتل طفل أو امرأة، يبدأ تدريجياً بأن يفقد جزءاً من إنسانيته. إعادة بناء الوعي الجماعي بقيمة الحياة ليست رفاهية، بل ضرورة ملحّة، إذا أردنا حقاً أن نوقف الانهيار الأخلاقي الذي يقودنا إلى أن يصبح القتل "سهلاً”.