هل يتفاقم الصراع الأمريكي والإيراني؟

تتجه الأنظار في العراق إلى مرحلة ما بعد إعلان النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية، وسط سباق محموم بين القوى السياسية لإعادة ترتيب مواقعها وبناء التحالفات التي ستحدد شكل الحكومة المقبلة.

وتبدو المرحلة الراهنة، أكثر تعقيدًا من دورات سابقة نتيجة التحولات الإقليمية الأخيرة، وتراجع النفوذ التقليدي لبعض الأطراف، وعودة قوى محلية لصناعة التأثير المباشر في عملية اختيار رئيس الوزراء.

ومنذ عام 2005 ظل اختيار رئيس الحكومة مرهونًا بصيغة التوافق داخل المكونات السياسية الثلاثة، إلا أن نتائج الدورة الحالية رفعت من مستوى التنافس داخل البيت الشيعي نفسه، حيث يتقدم مشهد تشكيل "الكتلة الأكبر" على أي اعتبار آخر، في وقت أصبح فيه العامل الدولي، الأمريكي والإيراني تحديدًا، جزءًا أصيلًا في هندسة التحالفات وتوزيع المناصب ضمن العملية السياسية.

صراع "الكتلة الأكبر” يعود مجددا.. مفاوضات شائكة تهدد ولادة الحكومة العراقية

وبحسب المسار الدستوري، يفترض أن يعقد البرلمان جلسته الأولى خلال 15 يومًا من إعلان النتائج النهائية، يليها انتخاب رئيس الجمهورية خلال 30 يومًا، ثم تكليف رئيس الوزراء من داخل الكتلة الأكبر.

غير أن التجارب السابقة تُظهر أن التفاهمات بين القوى المتنافسة تستغرق أسابيع وربما شهورًا، بفعل المناورات السياسية وتباين الأجندات الإقليمية المؤثرة في بغداد.

توازن دقيق
بدوره، قال الباحث في الشأن السياسي علي ناصر، إن "اختيار رئيس مجلس الوزراء العراقي يبقى خاضعًا للتوافقات بين الكتل ونفوذ الأطراف التي تملك علاقات خارجية واسعة، سواء مع الولايات المتحدة أم إيران".

وأضاف لـ"إرم نيوز"، أن "المرحلة المقبلة ستشهد تأثيرًا ملموسًا لهذه العلاقات على شخص رئيس الحكومة، خصوصًا أن واشنطن تسعى لحماية مصالحها واستثماراتها في العراق، فيما تتمسك طهران بمصالحها الاقتصادية والسياسية، ما يجعل المرشح المقبل مطالبًا بإدارة توازن دقيق بين الطرفين".


ويشير خبراء إلى أن ذلك التعقيد يأتي في وقت تراجع فيه حضور إيران الإقليمي بعد الحرب التي شهدتها المنطقة، مقابل عودة النشاط الأمريكي في ملفات العراق، وهو ما ينعكس على حسابات القوى السياسية التي تدرك أن الحكومة الجديدة لن تحصل على الدعم الدولي من دون مراعاة التوازنات بين الطرفين.

كما أن تراجع تدخل طهران العلني في ملفات العراق لم يُلغ تأثيرها التقليدي في ترتيب البيوتات الحزبية الشيعية، لا سيما أن الإطار التنسيقي لا يزال القوة الأكثر تماسكًا داخل المناطق الوسطى والجنوبية.

وفي المقابل، تواجه القوى السياسية العراقية اختبارًا يتعلق بقدرتها على إدارة المشهد الداخلي دون الارتهان للتجربة السابقة التي قامت على تدخلات مباشرة من الخارج، باعتبار أن المعادلة الجديدة تتطلب أيضًا حسابات اقتصادية، مع تصاعد الضغوط الأمريكية بشأن ملف الميليشيات المسلحة، وطرح عقوبات محتملة على كيانات عراقية مرتبطة بها، وهو ما يجعل الكتل الفائزة أكثر حذرًا في رسم خريطة السلطة المقبلة.

تراجع التأثير الإيراني
من جانبه، قال أستاذ الإعلام غالب الدعمي إن "التدخل الأمريكي والإيراني في العراق واقع تدركه جميع القوى، لكن المؤشرات الحالية تظهر زيادة في تأثير الولايات المتحدة مقارنة بالتأثير الإيراني".

وأضاف لـ"إرم نيوز" أن "الإطار التنسيقي لن يتمكن من تمرير حكومة لا ترضى عنها واشنطن، لأنها ببساطة ستقف ضدها دوليًا واقتصاديًا، ما يضع الأحزاب أمام ضرورة اختيار شخصية يمكن أن تحظى بقبول أمريكي وإيراني في آن واحد". 

 

وأشار الدعمي إلى أن "الخطاب الصادر من بعض فصائل الإطار بدأ يتجه نحو قبول أكبر للدور الأمريكي في العراق، مع إدراكهم أن المرحلة الحالية تتطلب مرشحًا يحافظ على علاقات متوازنة مع الطرفين".

وتتزامن هذه التحولات مع بروز توجه محلي يرى أن ضعف النفوذ الإيراني في الإقليم قد يعزز فرص القوى العراقية في تخفيف الاعتماد على الوساطات الخارجية عند تشكيل الحكومة، فيما تدفع أطراف أخرى باتجاه الاستفادة من الضغط الأمريكي لتقوية مؤسسات الدولة وتقليص نفوذ الفصائل المسلحة.

الكرد والسنة
وفي موازاة ذلك، يبقى المشهد الكردي عاملًا مؤثرًا في تحديد مسار التحالفات، إذ يسعى الحزبان الرئيسان، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، إلى الحفاظ على موقع رئاسة الجمهورية وضمان مكاسب إضافية في مفاوضات تشكيل الحكومة.

أما القوى السنية فتتجه لتثبيت مواقعها داخل رئاسة البرلمان، أو منازعة الأكراد على منصب رئاسة الجمهورية، في ظل مساعٍ لإعادة تموضع بعض الكتل الجديدة بعد النتائج الأخيرة.

ومع بدء المشاورات غير المعلنة بين القوى الفائزة، تظهر ملامح صراع مبكر على توزيع الوزارات السيادية والاقتصادية، وعلى رأسها النفط والمالية والداخلية، وهي الوزارات التي عادة ما تشكل محورًا أساسيًا في المفاوضات بين القوى الشيعية والكردية والسنية.

كما تبرز ملفات حساسة مثل حصر السلاح، وإدارة الموارد المالية، والاتفاقات الاقتصادية مع الولايات المتحدة، كعوامل ستؤثر بقوة على هوية رئيس الحكومة المقبل.