السلامة العامة في العقبة وغيرها: لا داعي للتوتر
إعداد: د. عادل محمد الوهادنة – MD, MSc, FRCPCH
استشاري المناعة والروماتيزم
⸻
النقاط الرئيسية
•السلامة العامة منظومة علمية مستمرة وليست استجابة لحظة طارئة.
•الحوادث الكيميائية أو البيئية يمكن أن تُدار بكفاءة عالية دون تهويل أو تضخيم.
•التوعية والتدريب الميداني يشكلان الركيزة الأولى للوقاية.
•التخطيط الوقائي المستدام يقلل من الخسائر الصحية والاقتصادية.
•الرسوخ المؤسسي للسلامة العامة يبدأ من التعليم وينتهي بالثقة المجتمعية.
⸻
المقدمة
لم تعد السلامة العامة شأنًا فرعيًا أو اختصاصًا محدودًا بالأجهزة الأمنية أو الدفاع المدني، بل أصبحت علمًا متكاملًا يربط بين الطب والهندسة والإدارة والسلوك المجتمعي.
وقد شهدت بعض المدن، ومنها العقبة، حوادث متنوعة خلال الأعوام الأخيرة — بعضها كيميائي أو بيئي أو تشغيلي — جرى التعامل معها ضمن أطر مهنية منظمة، دون الحاجة إلى تضخيم إعلامي أو توتر اجتماعي غير مبرر.
هذه التجارب عززت الوعي بأن الجاهزية العلمية والهدوء الإداري يشكلان معًا خط الدفاع الأول أمام الأزمات، وأن ثقة المواطن بالمؤسسات تزداد كلما اتسم الأداء بالرصانة والوضوح.
⸻
الموضوع
1. المفهوم الحديث للسلامة العامة
السلامة العامة ليست مجموعة من الإجراءات الطارئة، بل ثقافة وطنية واستراتيجية علمية تهدف إلى حماية الإنسان والبيئة والبنية التحتية.
تقوم على ثلاث ركائز أساسية:
•الوقاية المسبقة: تقييم المخاطر قبل حدوثها ووضع خطط لمنعها.
•الاستعداد الميداني: جاهزية الكوادر البشرية والتقنيات في مختلف القطاعات.
•الاستجابة المنظمة: السيطرة العلمية الهادئة دون ارتباك أو فوضى، بما يضمن الحد الأدنى من الأضرار.
⸻
2. الحوادث الكيميائية والتجارب الواقعية
أظهرت بعض الحالات، ومنها حوادث التسمم أو الانسكابات في مواقع صناعية أو ساحلية، أهمية الدور المنهجي للسلامة العامة.
التحليل الطبي والبيئي لتلك الحالات بين أن:
•التعرض المحدود للمواد الكيماوية لا يعني خطرًا شاملاً على المجتمع.
•تقييم حالة الهواء والمياه والأنسجة الحيوية بشكل سريع ودقيق مكّن من اتخاذ قرارات متوازنة.
•التنسيق بين الجهات المعنية عزز الاطمئنان العام، وأثبت أن التعامل العلمي الهادئ أكثر فاعلية من الانفعال الإعلامي.
⸻
3. دور التعليم والتجارب الواقعية
المجتمعات التي تُدرّس السلامة العامة ضمن المناهج، وتدمجها في التدريب المدرسي والجامعي، تمتلك معدل وعي أعلى بنسبة تتجاوز 40% عند وقوع الحوادث.
المحاضرات العملية، والتدريبات الواقعية، والمشاهد المصوّرة الميدانية كلها أدوات فعالة في تحويل المعرفة إلى سلوك دائم.
فالسلامة العامة لا تُكتسب بالتلقين، بل بالمشاركة والتجربة والمحاكاة الواقعية، لتصبح أسلوب تفكير وسلوك يومي.
⸻
4. الأثر الصحي والاقتصادي للتخطيط السليم
التحليل المقارن لتجارب ميدانية في مناطق صناعية وساحلية أظهر ما يلي:
•انخفاض الإصابات بنسبة تفوق 60% في المواقع التي تعتمد أنظمة مراقبة وإنذار مستمر.
•تقليص الخسائر الاقتصادية بمقدار الثلث بفضل وجود خطط إخلاء واحتواء وقائية.
•ارتفاع الثقة العامة بالمؤسسات نتيجة التعامل المتزن مع الأزمات، ووضوح الإجراءات دون إفراط في الإعلان أو التخويف.
هذه النتائج تؤكد أن التوازن بين الشفافية والهدوء هو جوهر إدارة السلامة العامة، وأن التخطيط العلمي أكثر تأثيرًا من أي استجابة مرتجلة.
⸻
5. التخطيط الوقائي المستدام
يُبنى نظام السلامة العامة الناجح على أسس علمية ومؤسسية متكاملة تشمل:
•بناء قاعدة بيانات وطنية للحوادث والمخاطر المحتملة.
•ربط غرف الطوارئ ومراكز القرار بشبكات رقمية تتيح التحليل الفوري.
•تطوير برامج تدريب وتوعية مستمرة تشمل المؤسسات التعليمية والمجتمعية.
•دعم الأبحاث الأكاديمية في مجالات السموم والكيمياء الصناعية والصحة البيئية.
•تعزيز التنسيق بين القطاعين العام والخاص في وضع خطط استجابة مشتركة.
هذه المقومات تجعل من السلامة العامة نهجًا وطنيًا مستدامًا يتجاوز فكرة رد الفعل إلى مفهوم التنبؤ العلمي بالحدث قبل وقوعه.
⸻
الخلاصة
السلامة العامة ليست حالة طوارئ مؤقتة، بل حالة وعي واطمئنان مدروس.
الهدوء، والانضباط، والتخطيط العلمي هي مفاتيح النجاح في مواجهة أي حادث، مهما كان نوعه أو حجمه.
تجارب العقبة وغيرها تؤكد أن الأردن يمتلك من الكفاءات والإمكانات والخبرة التنظيمية ما يجعل التعامل مع الحوادث يتم بمنهج علمي هادئ بعيد عن الارتجال والانفعال.
إن نشر ثقافة السلامة العامة، وتكريسها في التعليم والإعلام وسلوك المؤسسات، هو الطريق الأمثل نحو وطنٍ آمنٍ يواجه الطوارئ بعقلانية لا بتوتر، وبثقة لا بخوف.