وردة على سجون وزنازين الاعتقال في الاردن

جفرا نيوز - فارس الحباشنة

لا مكان للمنطق و لا أريد لعقلي أن يعمل ، ليس ثمة ما يفيد في هذه اللحظات ، لا مكان للعقل و الاجتهاد و التروي ، لا أريد للعقل أن لايحضر الان .


لا أريد حدا لتمرد فكري و شهوة عقلي ، لا أريد فواصل بين المستحيل و الممكن ، و لا أريد فواصل و حواجز بين الحرية و الاعتقال ، أو قل أي شيء يمكن أن يكبل حرية الفرد و يقمعها و يقهرها .


لأكتب الان بعض ما في قلبي ، ولو لوجهة واحدة ، و أو لبعض المحاولات ، و بعض الوقت فقط ، وذنبي أن كان غيظي يمسك على عقلي ، بل ما لدي من حواس وأحساس و مشاعر ، لست أتحمل قفل السجان و لا زنزانة الاعتقال الانفرادي ، و لا قاعات الانتظار في سجون قمع الحريات في الاردن ، و لا أولئك القابعون خلف مكاتبهم يعبرون بسرور عن أستمرار أعتقال احرار الاردن .


لا مكان الا لنقطة واحدة في القلب و هي الحسرة و القلق والالم و الخوف ، والعتب الشديد على صمتنا ، مثلي و مثلي الالاف من الاردنيين يطاردهم نبأ الاعتقال ، و يطاردهم في كل لحظة نبأ التخويف و التهجير
والقمع و التجريح ، يطاردهم هاجس ربى و نما في عقول أهل السلطة و السلطان .

أفكر بكل قسوة في أولئك المناضلين خلف القضبان ، في غرف الاعتقال الفردي ، و في "زنازين " القمع الامني ، أفكر بالقسوة و القمع و الظلم الذي يتعرضون اليه ، و كيف ينظر اليهم على أنهم خصوم يؤرقون ماكينة قمع السلطة .

لا أريد عقلي ، ولو لبرهة من الزمان ، و لا داعي أن أستعمل حكمته ومنطقه ، و أهوال قوانين التفكير به ، لا بد ان نواجه أهوال جنون الزمن فينا ، نواجه الجنون و العبث الذي يقتلنا كل يوم و كل ساعة و كل لحظة ، جنون لا يريدنا أحياء و لا مشاريع بشر ، جنون يريدنا خدما و رعاة و قواصر و ضعفاء و معتالين على أبواب قصورهم الفاخرة .


لا مكان سوى للقلب الاردني المنفطر على حب الوطن الكبير في هذه اللحظة ، اشعر بالقرف و الغثيان و القلق و الخوف و التمرد و الضعف ، و الانهيار و أنا أرى عشرات من شباب الكرك و الطفيلة وعمان يقبعون خلف جدران الاعتقال ، و أرى سيدا وهميا يبتسم ، و أشعر بالقهر و الغبن و أنا أرى فيهم الخصم المستمر في مواجهة الشعب الى يوم الدين .


لم يعتقل ناشط سياسي في الاردن الا لأنه واجه العالم بحقيقة و موقف جريء وحر ، لأنه دافع عن المظلمين و الفقراء و المهمشين و الضعفاء ، و لأنه نطق بصوت الشعب ، و لأن جسده و عقله أرتجف في وجه سلطة السجان ، وفي وجه بارودة الاعتقال و سيف الاغتصاب ، و أرماح الكراهية و الظلم التي يغسلون كل يوم أيدهم بها على أجساد الاردنيين .


الخوف هو المسيطر على أولئك الذين مارسوا الاعتقال ، وهاجموا شباب أبرياء في حب الاردن ، في سن العشق و الولع و الغرام ، لا يعرفون أبواب سفارات غربية في عمان ، و لا أرقام لصندوق النقد الدولي ، خيالهم جأشم على حدود الكرك و الطفيلة ، و قلبهم ثائر على عمان .


القوة في الاعتقال و القوة في الحبس و الزنزانة ، لكنهم لا يعرفون شئيا عن جهاد الحرية ، و لن يعرفوا ، ليس مثل الحرية من حولنا ، و الحرية وحدها لها صفات تقوض كل قوة الاعتقال ، و سلطة الكرباج و الزانزانة ، الحرية وحدها لها الصفات نفسها في كل العالم .


الاحرار وحدهم أن قرروا الغضب يمكنهم أن يمحو العالم من حولنا ، الحرية لا تميز بين غني و فقير و لا عنصرية و لا طائفية ، و لا دين و لا أثنية ، لا تهتم باللون و الاعتقاد و الهوية ، و لا الجغرافيا المزورة ، و لا الطبقة و الشكل ، الحرية لا تردد كلامين ، لا تغش من حولها ، وحدها يتكلم العالم أجمعين بلغتها ، ويفهم العالم أجمعين حروف كلامها كما لغة الإشارات.


الاحرار وحدهم قادرون على مواجهة قسوة الاعتقال ، و زنازين الموت و القمع و التسلط ، وحدهم من يجعلون من معدهم الخاوية و أجسادهم المقمعة عدما ليمنحنا الحياة ، وحدهم قادرون على أستيعاب كل البشر ، وحدهم من يصدرون صكوك التوبة و برأة الغفران ، وحدهم من يحاكمون الفاسدين و الظالمين ، وحدهم من تستوي بارائهم ومواقفهم عجلة الاصلاح في الاردن .


ستحمل ربوع الاردن من شمالها حتى جنوبها روائح أعتقالهم ، رائحة معتقلين سيزفون على أحصنة
شهباء ، ستلقى التحية عليهم من كل أردني يبستم لغد جديد ، سترسم لهم صورا على جدران قلوب الاحرار و الاحباب و الثوار ، سيخلدون بعبروهم النضالي على أنزيحات ساطور السجان ، و سيكون بمقدورنا جميعا الابتسام أيضا .

لا مكان هنا ، الا للبوح عن حب و ألم يحفظ للاحرار في سجون الاعتقال شيء من أشياء كثيرة ، وظلم يرمي نفسه على الظالمين ، و المسرورين من أستمر أعتقال أبطال الحرية و الرأي ، و المبتهجين من قمع شباب احرار ، الأ يعرف أولئك أن للتاريخ حكاية واحدة ، أن الاعتقال لا يخبي من بعده الا الحرية و الثورة ، و أن القمع لا يمنع قوة الشعب من العبور نحو مشروعها .


وردة على سجون وزنازين الاعتقال في الاردن ...