يعزفون عن الزواج : ما العمل؟

جفرا نيوز


حسين الرواشدة 

راجعت أعداد حالات الزواج -حسب التقرير السنوي لدائرة قاضي القضاة - في العام 2022 (63، 834 )، مقارنة بالعام 2021 (75، 360 )، بنسبة، 15%، أي بمقدار 11، 526 عقدا، ما يعني أن حالة العزوف عن الزواج في مجتمعنا تتصاعد، إذ بلغت نسبة الزواج تبعا لعدد السكان 5، 8 لكل 1000 شخص، وهي كما يبدو متواضعة نسبيا.
الأرقام تشير، أيضا، إلى أن نحو (3 ) ملايين من الأردنيين والأردنيات ( ممن تزيد أعمارهم عن 15 عاما )، لم يتزوجوا، منهم 1.674.000شاب، 1.117.000 فتاة (45% من الذكور 35% من الإناث )، فيما يبلغ عدد الذكور الذين لم يتزوجوا ممن تزيد أعمارهم عن 35 عاما نحو 80.000 الفا، مقابل 123.000 فتاة، ضمن هذه الفئة العمرية.
إذا، مشكلة العزوف عن الزواج، او عدم القدرة عليه، من ابرز المشكلات الاجتماعية التي تواجه بلدنا، وهي - في مجملها - تعكس ازمة اجتماعية واقتصادية وقيمية نعاني منها، ومع ان المفترض ان يساهم «التدين» في حل هذه المشكلة او تطويقها على الاقل، الا ان مجتمعنا «المتدين» في غالبيته لم يستطع ان يوظف هذا التدين بهذا الاتجاه، او ان هذا التدين، ان شئت، ما زال في اطاره الوعظي والنظري، ولم يتحول - للاسف - الى سلوك وممارسة وفاعلية للتغيير، لدرجة انني اعتقد احيانا اننا امام «تدين» مغشوش او منقوص او معكوس، حبس نفسه في المساجد، وفي اطار العبادات وطقوسها، ولم ينزل الى الشارع، واعماق الناس، ليفعل ما يفترض ان يفعل من تجديد وتغيير، ومساهمة في حل مشكلاتنا المتراكمة.
التدين غير الصحيح ليس هو السبب الوحيد وراء عزوف الشباب عن الزواج، او عجزهم عنه، فثمة ابعاد اقتصادية واجتماعية وقيمية يمكن اضافتها هنا، الفقر - مثلا - والبطالة مع ارتفاع تكاليف الزواج وسطوة طلبات الاهل وغلاء المهور، التحولات التي طرأت على منظومة قيمنا وعاداتنا ورؤيتنا للحياة والمستقبل، الانفتاح غير الرشيد على العالم، التكنولوجيا ومصائبها، غياب الدولة عن مساعدة الشباب والاهتمام بقضاياهم، تراجع قيمة «الزوج» كوسيلة للتحصين، مقابل شيوع قيم الاختلاط غير البريء وشيوع الفواحش، محاولات تفكيك منظومة الاسرة وتهميشها والتقليل من دورها، كلها اسباب خطيرة ومؤثرة تدفع الشباب الى التسويف في الارتباط، وتضع الفتيات في زاوية ضيقة من الخيارات، وتؤدي بالنتيجة الى تشكيل «جيوش» من العوانس على الطرفين، وهم أشبه ما يكونون «بقنابل» اجتماعية لا يعرف احد متى تنفجر؟
منذ وقت طويل، وسؤال العمل يلحّ عليّ، وعلى غيري من المهتمين بهذه الظاهرة المزعجة، البعض دخل على هذا الخط وساهم في طرح العديد من الحلول والمساهمات، سواء على صعيد اقامة الاعراس الجماعية، او مشاركة الشباب في البحث عن زوجة، او تقديم ما يلزم من مساعدات، لكن المشكلة لم تحل بالشكل المطلوب بعد، وهي لن تحل الا اذا تدخلت الدولة، بكل مؤسساتها الرسمية والاهلية.
دعونا نفكر - اذن - في مقترحات عملية جديدة.. صندوق خاص او «وقفية» تتبناه الدولة، وتخصص له جزءا من الموازنة يطلق عليه اسم «زواج كريم»، مبادرات وقفية يقوم بها اثرياؤنا وتخصص لزواج من تجاوز الثلاثين من العمر، جمعيات اهلية متخصصة بالارشاد الزوجي وتمويل غير القادرين على الزواج، مساهمات تتقدم بها كل مؤسسة لتزويج الموظفين فيها على حسابها، برامج اعلامية وتثقيفية تركز على «قيم» الزواج وتساعد على كسر بعض المراسم والتقاليد التي تشكل عوائق أمامه.. فتاوى فقهية تضع مساعدة الزواج لغير القادرين «اولوية» مجتمعية تتقدم على أداء بعض السنن كالعمرة التي يكررها البعض كل عام، وتجعل لهم نصيبا من اموال الاغنياء، سواء في الزكاة - اذا جاز - او في الصدقات وبيت مال المسلمين.
هل يكفي ذلك؟ لا، بالطبع، ولكنها مجرد اقتراحات لحل جزء من هذه المشكلة التي اصبحت اخطر مما نتصور، يبقى ان المطلوب فتح كل مايمكن من ابواب «الحلال» أمام شبابنا، لان تقاعسنا عن ذلك سيدفعهم للدخول من أبواب «الحرام»، وعندها علينا ان نلوم انفسنا قبل ان نلومهم، لأنهم - عندئذ مجرد ضحايا لا مجرمين، واخطاؤهم نتقاسمها معهم، ونُسأل عنها مثلما يُسألون.