عمان التي اشتقنا اليها!

جفرا نيوز


علي احمد الدباس

يقولون ان عمان احتفلت بيومها ؛ وقد كنت على سفر فلم يتسنّ لي الاحتفال في الوقت الذي ظهر فيه دولة رئيس الوزراء يحتفل بعمان من خلال زيارة المشاريع الكبرى التي لم تنفذ فيها ؛ او تلك التي تلكأت في التنفيذ وبعضها ينتظر اطلاق رصاصة الرحمة!

 

هكذا بكل بساطة تعني عمان للقائمين عليها؛ مشاريع سبقتنا نحو القدر المحتوم ؛ او ربما مشاريع اخرى تشبهنا : تقاتل ولا تموت ومع ذلك لا تنتصر قط! ولماذا انتقد ذلك ؟ علني اكون مخطئاً … فعليّ حقاً ولو من باب التغيير ان انظر الى نصف الكأس الممتلئ؛ فحسناً فعل دولة الرئيس بزيارة مشاريع تشبهنا احتفالاً بيوم المدينة! تشبهنا فعلاً: فأبراج السادس تشبه أحلامنا حول عمان ايام الطفولة : مدينة عالمية جميلة حديثة متطورة … وتوقفت الابراج عن العمل يوم توقفنا نحن الاطفال عن الحلم حين بلغنا سن الرشد وعرفنا ان الاحلام كذبة! أما الباص السريع فهو يشبه كل اهل عمان… يشبه حياتهم التي تمضي بطيئة في سبيل الانجاز ؛ مكلفة في كل زواياها ؛ متعبة في كل تحدياتها ؛ ومع ذلك فخورة بأبسط محطات الفرح التي فيها بانتظار ان يكتمل الحلم مع اكتمال العمر!

 

ومع ذلك كله : نحبها! وعلاقتنا في عمان تشبه فيما تشبه ذلك الذي يحب فتاة لئيمة ؛ موغلة في الكهن…ويستغرب كل الناس حبه لها ؛ بينما هو فقط يعرف انه احب الطفلة التي في داخلها ؛ تلك التي لم تكبر أبداً حتى حين نامت! وهذه ببساطة قصتنا مع عمان … نحبها لأننا عرفناها حين كانت طيبة ؛ بريئة ؛ جابرة للخواطر ؛ مفعمة بالأمل … كانت مدينة للناس وكان أحلى ما فيها ناسها!

عمان نحبها! نحب كل ما فيها ؛ نحبها لانها تذكرنا بأيام جميلة ؛ نحبها لانها شهدت الحب الاول ؛ والمشوار الاول ؛ والعتاب الاول ؛ واول مقابلة عمل واول موعد غرامي وأول بوح على رأس جبل ؛ وأول " صفنة " على المدرج الروماني ؛ وأول رشقة مياه من سائق ارعن يسرع بلا هدف ؛ وأول مشوار مع والدينا في الثلج ؛ واول أشياء كثيرة أخرى … حتى ربما نحبها لانها شهدت أيضاً اول فشل! وفي كل صيف حين يعود المغتربون يحملون حبهم لها ويبدؤون التغزل في صيفها وجوها نقول لهم : عمان ما عادت عمان … مع اننا نحبها اكثر منهم جميعاً !

عمان لم تتغير ؛ فصورة واحدة لجبل الجوفة منذ خمسين عاما تدل على انها كما هي اليوم؛ جبالها لا زالت سبعة تحيط بوادٍ سميناه وسط البلد : ربما لانه ذات لحظة كانت عمان هي كل البلد! حتى انها لا تزال ترخي جدائلها فوق الكتفين ؛ ولا زالت تحمل " ريحة الجنة " … نحن من تغيرنا وليست هي التي تغيرت؛ نحن كَبُرنا أكثر مما ينبغي ؛ " هرهرنا " على رأي أكثر نساء عمان كوميديةً على الاطلاق ! لنكن أكثر واقعية : أحلامنا كانت أكبر من أقدارنا ؛ وكنا نحب الحياة بقدر حبنا لعمان!

تغير كل شيء اليوم فينا ؛ فلم تعد الحارة مكاناً نأمن فيه على أطفالنا؛ ولم تعد الجارة أمينة السر ؛ ولم يعد الشارع حتى آمناً لِ " حرثه بالباسكاليتات " ؛ وذهب مع كل ذلك سر الخلطة … (( البَرَكة )) التي كانت تجعل حياتنا أجمل! وهذه البركة التي طارت هي سر تعبنا ونكدنا وضنكنا؛ وهي لا تعود الا اذا عدنا كما كنا : نحب الناس والحياة ؛ نرضى ونفرح بكل شيء ؛ واذا تعقدت الحياة بوجهنا نهرب الى احد جبال عمان ونقول له كل شيء!

عمان لم تتغير يا سادة بل القائمين عليها؛ والساكنين بها ؛ والغائبين عنها ؛ هؤلاء جميعاً هم الذين تغيروا …. عمان لا تحتاج أبراج السادس … هي فقط تحتاج ملعب بين الحارات ليعيش الاطفال فيها حياة طبيعية ؛ تحتاج رصيفاً غير ذي زرع ليأمن الانسان على نفسه ذات مسير ؛ تحتاج الى فضاء يرعى الموهبة وينمي الانجاز ؛ تحتاج الى رش رذاذ منعش مضاد للكآبة بدلا من سيارة رش الناموس التي تزكم انوفنا برائحة الديزل! نحتاج الى مسارات خضراء ومسارات حرة … وربما لقليل من أنفاس الحرية … حتى مجمع بنك الاسكان اصبح أقرعاً منذ ان قرر احد ما ان يخلع الشجيرات التي كانت تتدلى من طوابقه … عمان تحتاج لناس يفهمون اجمل ما فيها ؛ نحتاج لنظام ضريبي يشجع المحافظة عليها وتحتاج لفرص جميلة تشبهها!

عمان نريدها ان تبقى كما هي ؛ ليس لاننا لا نحب لها التطور ؛ لكن لاننا نتوحش اكثر كلما تطورت عمان أكثر ؛ العيب فينا وليس في عمان … فبالله عليكم اتركوا عمان في حالها علنا ان عدنا اليها بعد ان نعود الى انفسنا نجدها كما احببناها: مدينة جميلة نظيفة آمنة مليئة بالمحبة والبركة!