اعتدال وتآلف أمام احتلال مدمن يزرع العنف


جفرا نيوز
بسام الساكت
فتحت لي جلسة مجلس الأمن حول الشرق الاوسط وفلسطين، قبل ايام، نافذة على تاريخ لأُمتنا رشيد، فيه حكم وحوكمة دهرية، ونهج إنسانيٌ نبيل. ويُذكرنا، نحن العرب والمسلمين، وقبل غيرنا، بنهج ومسلك من تراثنا، هو تعامل دولي إنساني. وبالمقابل، يدعونا بشدة، بل يُملي علينا الاستشهاد والتذكير به، عند الاصدقاء وعند الخصوم، وباللغات الدارجة، لا بالعربية فقط.

ففي عام 16 للهجرة، كتب الخليفة الراشد عمر ابن الخطاب رضي الله عنه، كتب لأهل القدس (إيلياء) كتاباً، سمي «بالعُهدَةِ العُمَرِية»، اعطى فيها الخليفة الأمان للمسيحيين فيها. أماناً على: أموالهم، وأنفسهم، وكنائسهم، وممتلكاتهم، واماكن عباداتهم. وتعهد ألا ينقص منها، ولا من خيرها، ولا من شيء من اموالهم، ولا يُكرهون على دينهم.

وفي عام 620 م، عُثر على وثيقة مُستخرجة من دير كنيسة جبل سيْناء، هي رسالة من النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، كتبها الإمام علي إبن أبي طالب، كرَّم الله وجهه، وبخط يده، هي وثيقة موجهة لأمة المسلمين ولجميع من يعتنق رسالة سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام. وهي تعهد منه، وفي السنة السابعة للهجرة، بحماية ممتلكات المسيحيين، ورعايتهم، وضمان حيز العبادة؛ فلا يُغير أسقف او أسقفية، ولا راهب ولا حبيس من صومعته، ولا يهدم بيتاً من بيوت كنائسهم، ولا يدخل شيئا من بناء كنائسهم في بناء مسجد، ولا منازل المسلمين... ولا يحمل على الرهبان والاساقفة، ولا من يتعبد، جزية ولا غرامة... ولا يجادلونهم، إلا بالتي هي أحسن.

إن ما ذُكر في أعلاه، هو نهج موثق من مرجعية عالية الشأن، يفتخر بها كل عربي ومسلم. وهي مؤونة، تغفل عنها الامة، والاصدقاء والخصوم. لكنه بالأمس جاء محتل، يقف على نقيض مع تراثنا، متعصب، يقضم الأرض والتراث في فلسطين، بأدوات وقرارات وممارسات ومن خلال استيطان إحلالي ومستعمرات هي «ضَمٌ زاحفٌ» Creeping Annexation لأرض فلسطينية وعربية محتله. ذلك ما أطلقت عليه في كتاباتي، وما رددته على مسامع لجنة الأمم المتحدة في نيويورك، حين انضممت وزميلي د. أمية طوقان، إلى الدكتور حازم نسيبة–القامة الأردنية المقدسية، رئيس البعثة الأردنية ومندوب الأردن الدائم لدى الأمم المتحدة في نيويورك. حينها عرّف د. نسيبة اللجنة علينا. وساهم ذلك بعد حين، في استصدار قرار أممي ببطلان الاجراءات الإسرائيلية في ضفة الأردن المحتلة.

وقبل أيام، لفت انتباهي مقال الكاتب البريطاني، سايمون تسدل Simon Tisdall، في صحيفتي الأُبزيرڤر والقارديان، البريطانية The Observer and The Guardian قائلا: إن نتنياهو، هو أسوأ عدو لإسرائيل، من بينها. وسرد في مقالته نبأ قتل جنود الاحتلال فلسطينيا من قلنديا، بدم بارد، حين حاول حماية ولده (وذكر أن 224 فلسطينيا مدنياً قد قتلوا في الضفة العام الماضي فقط)، وكيف يقترف الاحتلال جرائم مماثلة متكررة دون أي استنكار فاعل يذكر. ومبعث ذلك بنظره وجود حكومات احتلال تغلب عليها العنصرية وحكومة اخرى جديدة أسوأ: الجديدة فيها وزير المالية «بزلل سموترش» Bezalel Smotrich، رئيس حزب المتدينين الصهاينة، الذي ينادي بضم أراضي الضفة المحتلة كلها. فصادر 40 مليون دولار من صناديق السلطة الفلسطينية؛ كما في الوزارة وزير أمن عنصري هو، إتمار بن غفير، Itamar Ben-Ghirardelli الرئيس المشارك لحزب قوة إسرائيل. شخص له سوابق قضائية. وعاب الكاتب البريطاني على الدول الأوروبية، وبريطانيا، موقفهم من سياسة حكومة الاحتلال الجديدة.

لقد ظهر لي الكاتب أنه الحريص على ديمقراطية إسرائيل جرّاء سياساتها. ولا بأس أراه في موقف ناقد وجاد، يأتي من كاتب غير عربي. لكن الوضع، ليس كما ذكر أن ديمقراطية إسرائيل في مخاض. فبالتجربة نحن نعرف والفلسطينيون كذلك بالتجربة المريرة يعرفون، أن ما يجري ليس مخاض ديمقراطية هناك، فالإعلام الغربي يتحدث بخجل عن مرحلة، تبدو أنها مخطط. وما يظهر نقدا من الكاتب وغيره، فهو تباكٍ، نأمل الا يكون عابرا وعلى خجل.

إن تحرك سيدنا جلالة الملك عبد الله الثاني، وتحرك الأردن المحلي والإقليمي والدولي، هو تحرك ونهج ديبلوماسي جيد محسوب، ومحاولة محمودة لكبح جماح حكومة احتلال عنصرية تصنع العنف وتزرعه وتُنميه، في الداخل الفلسطيني والإسرائيلي وفي الجوار. وإنني لم أفاجأ حين حاول بن غفير دخول ساحة المسجد الأقصى. إنه قاصد أن يمهد لسياسة وترتيب. كما قصد، حين يعترضه رعاة «الأقصى»، رسم صورة للأردن والمسلمين بأنهم مدعين للتآلف الديني، وعمليا يمنعون غيرهم حتى زيارة المواقع الدينية. ذلك عمل وتزامن أراه مريبا، خاصة جاء بعد حديث جلالة الملك مع CNN حول توسعة المغطس، ليكون موقعا ونموذجا للتآلف والاخوة في الأردن. ولقد ظهر عندنا، أيضاً، وبالتزامن، وعلى بعض المواقع، صور استقبال البابا المسيحي لمجموعات يهودية. إنه تزامن وربط مخطط له وليس عشوائي. ولم اكن أفاجأ ايضا بما جرى، فإن سياسات الادارة الاحتلالية تُشَوِّشُ وتشَوِّهْ علينا، وهي صانعة وزارعة للعنف والفتن بأشكالها. ورغم ذلك، فإن موقف الأردن المعتدل، هو موقف مبدئي حرّك دول أوروبا وحشد الاقليم في الخليج فاحترمه الاوروبيون واميركا. ولكي يكون للتحرك الاردني مفعولا أكبر، فقد حان اليوم وبالامس وغد، حان، أن تُوحد «الاطراف"الفلسطينية نفسها، وتوحد مواقفها. وتركز على طلب الحماية الدولية من الاحتلال. وأن يكون لإخوتنا العرب والمسلمين تحركا ذكيا مسانداً، يحدث أمواجاً ضاغطة على الساحة الدولية.

فحيا الله الاردن ومن معه، في جهوده المدافعة عن أرض فلسطين وفي حماية الأماكن المقدسة العربية الإسلامية والمسيحية والوصاية عليها. إن الأردن دولة اعتدال وتآلف، فيها ملك وصي أمين، وشعب وطني متآلف جسور، عنده كرامة، مقابل حكومة احتلال إسرائيلية مُدمنة على زراعة وصناعة العنف والكراهية.