قراءة في مقابلة الملك: دلالة المكان والزمان

جفرا نيوز - كتب - د. شهاب المكاحله

كانت مقابلة جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين في ٢٨ من ديسمبر ٢٠٢٢ في المغطس، مكان معمودية السيد المسيح، بمثابة تذكير بأن الأردن مهد الأديان السماوية الثلاث وأنه موطن التسامح والسلام والإنسانية.

 مقابلة الملك عبدالله الثاني مع شبكة "سي إن إن" جاءت عشية التصويت على حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي حصل على ٦٤ صوتاً من أصل ١٢٠ ليشكل بذلك أكثر الحكومات الإسرائيلية شعبوية ويمينية. 

كانت لغة جلالته واضحة سلسة لا تحمل تأويلات أو معانٍ مزدوجة، فكلماته عكست ثقة القائد بوطنه وشعبه وجيشه حين حذر من المساس بواقع المقدسات الإسلامية والمسيحية. المهم في حديث جلالته أنه ركز على اعتبارات تهُم إسرائيل والدول التي ترتبط مع تل أبيب باتفاقيات سلام، محذراً من تجاوز "الخطوط الحمراء". 

وهنا لا بد أن نوضح أكثر أن الأردن يسعى إلى عدم تغاضي الحكومة الإسرائيلية عن مبدأ حل الدولتين أو التمادي في الاستيطان أو تجاهل قضية اللاجئين ووقف الاعتداءات على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشرقية. وهنا إشارة إلى عدم المساس بوضع القدس الشرقية التي هي جزء لا يتجزأ من اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية الموقعة في وادي عربة في العام ١٩٩٤.

وفي إجابته على سؤال فيما إذا كان الوضع الراهن ودور جلالته بصفته الوصي على الأماكن المقدسة في القدس مهددين بسبب التوقعات المرتبطة بالحكومة الإسرائيلية الجديدة، قال جلالة الملك: "نحن نعيش في منطقة صعبة وهذا أمر اعتدنا عليه، وإذا أراد جانب ما أن يفتعل مواجهة معنا، فنحن مستعدون جيداً، ولكن أود دوماً أن ننظر إلى النصف الممتلئ من الكأس".
 
وأردف جلالته قائلا " لدينا خطوط حمراء، وإذا ما أراد أحد تجاوز هذه الخطوط الحمراء، فسنتعامل مع ذلك، ولكن ندرك أن الكثير من الجهات في إسرائيل تشاركنا القلق".

وأشار الملك إلى المكانة الدينية للمغطس وأنه معلم يزوره الجميع، مؤكداً: "في موقع المغطس كانت البدايات"، وهذه الرواية "تحكي قصة الأردن عبر الزمان". وبين جلالته أن "الموقع له مكانة مهمة للجميع، يؤمه الزوار من المسلمين والمسيحيين، ما يعزز الروابط بين المسيحية والإسلام، ويحافظ على الإرث المسيحي التاريخي في الأردن".

في المقابلة، ركز جلالته على "جهود حماية ورعاية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، وحماية الوجود المسيحي بمنطقة الشرق الأوسط، ومكانة القدس كمدينة تجمع ولا تفرق"، إضافة إلى مساعي الأردن لحماية موقع المغطس وتطوير المنطقة المجاورة له.
 
الملك أكد أن المغطس له أهمية بالغة للأردن، وهو من منظور تاريخي ديني، يُعد واحداً من أقدس ثلاثة أماكن للديانة المسيحية لأنه "يروي قصة أوائل اللاجئين إلى الأردن، المسيح عيسى عليه السلام، وهي قصة تمتد إلى موجات اللجوء التي شهدناها في عصرنا هذا". 

وفيما يتعلق بدور الأردن في تعزيز الاستقرار في المنطقة، قال جلالته: "أعتقد أن هذا أمر في صلب تراثنا، وجدي الشريف الحسين بن علي، رحمه الله، وفر ملاذاً آمنا للمسيحيين الأرمن في الأردن حين كانوا يبحثون عن الأمن والأمان".
 
وأضاف جلالته إلى أن الأردن وفَر الملاذ الآمن للمسيحيين العراقيين والسوريين في السنوات القليلة الماضية، ممن لجأوا إلى المملكة إثر أفعال (داعش) في سوريا والعراق، محذراً من 
 أن تفريغ المنطقة من الوجود المسيحي سيكون أمراً كارثياً بالنسبة للجميع لأن "المسيحيين جزء من ماضينا وحاضرنا، ويجب أن يكونوا جزءاً من مستقبلنا".
 
حِرصُ الملك على القدس كمدينة تَجمعُ لا تُفرق بدا واضحاً كذلك في المقابلة حين قال: "المدينة المقدسة يجب أن تكون مدينة تجمعنا"، محذراً من محاولات استغلال المدينة من المُتطرفين لإذكاء الصراع والعنف. وهذا ما أكد عليه جلالته حين قال: "نحن الأوصياء على المقدسات المسيحية كما الإسلامية في القدس، وما يقلقني هو وجود تحديات تواجه الكنائس بسبب السياسات المفروضة على الأرض، وإذا ما استمر استغلال القدس لأغراض سياسية، يمكن أن تخرج الأمور عن نطاق السيطرة بسرعة كبيرة".

وشخَص جلالته المخاطر التي تواجه الوجود المسيحي بالمنطقة قائلا: "إن في الأردن وفي القدس أقدم مجتمع عربي مسيحي في العالم، هم هنا منذ ألفي عام، وعلى مدى الأعوام الماضية، بتنا نلاحظ أنهم كمجتمع يتعرضون لضغوطات، وبالتالي فإن أعدادهم في تناقص، وهذا باعتقادي ناقوس خطر لنا جميعا".
 
وأعرب الملك عبدالله الثاني عن قلقه من اندلاع انتفاضة ثالثة إذ قال: "لا بد أن نشعر بالقلق حيال قيام انتفاضة جديدة، وإن حصل ذلك، فإنه قد يؤدي إلى انهيار كامل، وهذا أمر لن يكون في صالح الإسرائيليين ولا الفلسطينيين"، مُبيناً "أن الجميع في المنطقة قلقون للغاية، ومنهم موجودون في إسرائيل ويتفقون على ضرورة الحيلولة دون حصول ذلك".
 
أشار الملك في المقابلة إلى المجهر الدولي الذي سيرقب ويراقب الحكومة الإسرائيلية المتطرفة حسب ما يراه الكثير من الخبراء في الشأن الإسرائيلي. ولعل تسليط الضوء على تقييم أداء الحكومة الإسرائيلية لم يتطرق له أحد سوى جلالته لأنه بذلك وضع الكرة في ملعب نتنياهو وفريقه الوزاري وأن الأردن مستعد لكافة السيناريوهات.  

وعن تطلعات جلالته لعام 2023 بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، قال الملك عبدالله الثاني: "إن الشعوب تود المضي قدماً في حياتها وأن تشعر بوجود الفرص". وهنا لفت جلالته إلى أهمية التكامل والتبادل الاقتصاديين لحل مشاكل شعوب المنطقة ودولها إذ قال: "هذه قضايا علينا التعامل معها جميعاً، أردنيين وفلسطينيين وإسرائيليين، وأعتقد أن التكامل الإقليمي سيمكننا من كسر الحواجز."

وأوضح الملك أنه مهما كان يعتقد البعض حول "دمج إسرائيل في المنطقة، بأنه أمر بالغ الأهمية، فإنه لن يتم ما لم يكن هناك مستقبل للفلسطينيين". وهذا إشارة إلى أنه لن يكون لإسرائيل دور إقليمي ما لم يُحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على أساس حل الدولتين والبدء في مفاوضات جادة من اجل ذلك.  

وفي الختام، كانت المقابلة بمثابة رسالة لإسرائيل بأن تحترم المواثيق والاتفاقيات الدولية الموقعة وأن تراعي مصالح دول الجوار بما في ذلك بنود اتفاق وادي عربة واتفاق أوسلو لتجنيب المنطقة ويلات عدم الاستقرار.