في الهوية الدستورية الجامعة (2)

جفرا نيوز - أ. د. ليث كمال نصراوين*

لقد أرسى القضاء الوطني مفهوم الهوية الدستورية الجامعة في مواجهة القانون الأوروبي، وذلك من أجل الحفاظ على السمات الأساسية للدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي. فيدخل في تعريف هذا المبدأ المستحدث كل ما كرّسه المشرع الدستوري من قواعد أساسية راسخة تتسم بالثبات والديمومة، وتستمد وجودها من المبادئ العليا التي تقوم عليها الدولة. فالدستور هو الوعاء المنطقي للهوية الدستورية الجامعة الذي تصب فيه هذه القواعد الأساسية ذات الصلة بشكل الدولة ونظام الحكم فيها، والذي يحميها من التأثيرات الخارجية. فالاعتراف بالهوية الدستورية الجامعة يعني حكما وجود قواعد قانونية ومبادئ أساسية صلبة تقوم عليها المنظومة الدستورية للدولة.

وبإسقاط هذه الأركان الأساسية لمفهوم الهوية الدستورية الجامعة على الدولة الأردنية، نجد بأن الدستور الوطني قد تضمن العديد من قواعد الحكم الراسخة الثابتة، والتي تصلح بأن يتم الاسترشاد بها لتحديد ملامح الهوية الأردنية. ويأتي في مقدمة أساسيات الهوية الدستورية الأردنية ما أشارت إليه المادة الأولى من الدستور بأن المملكة الأردنية الهاشمية دولة عربية مستقلة ذات سيادة مُلكها لا يتجزأ ولا ينزل عن شيء منه، وأن الشعب الأردني جزء من الأمة العربية، ونظام الحكم فيها نيابي ملكي وراثي. كما تتقرر الهوية الدستورية الجامعة في المادة الثانية من الدستور التي تنص صراحة على أن دين الدولة هو الإسلام، وأن اللغة العربية هي لغتها الرسمية. وتتسع دائرة المبادئ الدستورية الثابتة في الدستور الأردني لتشمل مبدأ المساواة أمام القانون، والذي تقرره المادة (6) منه بالقول أن الأردنيين متساوون أمام القانون، وأنه لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو الدين أو اللغة.

وقد تعززت الهوية الدستورية الجامعة في الأردن بما قدمته لجنة التعديلات الدستورية من مقترحات إيجابية على المادة (6) السابقة، والتي تمثلت في النص صراحة على مبدأي المواطنة وسيادة القانون، باعتبارهما من المتطلبات التي لا غنى عنها لإرساء الإرث القانوني في الأردن. فالدستور يعلو ولا يعلى عليه، وأن القانون يعمل لخدمة الجميع.

إن هذه المقومات الأساسية التي امتازت بها الدولة الأردنية منذ قيامها كإمارة، ومن ثم كفاح شعبها للحصول على الاستقلال، وإرساء مبادئ نظام الحكم النيابي البرلماني الكامل يعطي الدولة الأردنية هويتها المتميزة عن باقي الدول، ويجعل من محاولة الربط بينها وبين أي هوية دستورية أخرى مصيرها الفشل، حتى وإن تعددت القواسم والمشتركات. فلكل دولة وشعب هويته الدستورية الجامعة الخاصة به التي لا يمكن أن يشاركه بها غيره، فهذه الهوية مستوحاة من طبيعة الدولة ومجموعة الخصائص المميزة التي تنفرد بها عن غيرها، والتي تظهر جليا من خلال الترابط الفريد بين عناصر الدولة الثلاثة بشعبها وإقليمها وسلطتها السياسية الحاكمة. فهذه العلاقة مختلفة الأركان والأبعاد، وليس من السهولة بمكان أن يتم فرضها على أي شعب أو أو جماعة مهما قرُبت العلاقة بينهم وتشابكت.

إن الهوية الدستورية الجامعة دلالة استقلال فعلي وغياب لسلطة الفرض والإجبار الخارجي. فهي تعطي القوة للسلطة الحاكمة بأن تقاوم ما قد يُفرَض عليها من قرارات أجنبية من شأنها أن تغير الديمغرافيا الوطنية، وتخلق حالة من عدم الرضى والقبول الشعبي لما هو مخالف لأبسط حقوق الشعوب الحية في تقرير مصيرها، وفي العيش بحرية وكرامة في دولتها التي تقيمها على ترابها الوطني.

إن الهوية الدستورية الجامعة لا تجعل من الأردن دولة منغلقة على ذاتها، وإنما تسمح لها بأن تتفاعل مع الدول المجاورة لها ضمن إطار القانون الدولي، وذلك بما يتناسب مع تطورها السياسي والاجتماعي والقانوني، وما يحقق مصالحها العليا ويحمي أمنها واستقرارها الداخلي.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

laith@lawyer.com