السودان وفرص العودة إلى الشراكة

جفرا نيوز - حمادة فراعنة

الحلقة الرابعة

أخفق عسكر السودان في فرض السيطرة المنفردة على السلطة بفعل الإنقلاب العسكري يوم 25 تشرين أول أكتوبر 2021، مثلما أخفقت قوى الحرية والتغيير من هزيمة العسكر، ودفعهم نحو العودة إلى الثكنات وتسليمهم السلطة للمدنيين.

لا العسكر حققوا مرادهم عبر الإنقلاب بالسيطرة والتفرد، ولا المدنيين تمكنوا من هزيمة العسكر، وانتزاع السلطة عبر المظاهرات والاعتصامات، ويبدو أن كلاً منهما اضطر للتراجع عن أحادية دوره وخياراته، وقبول العودة إلى الشراكة بين الطرفين، وقبول الآخر مرة أخرى، أي إلى تقاسم السلطة، والشراكة وفق إعادة تشكيل مجلس السيادة الذي عمل العسكر على حله واستبداله بالمجلس العسكري على أثر الانقلاب.

فشل طرفا المعادلة السياسية السودانية، يعودُ إلى قوة الأوراق التي يحملها كل منهما، حمته من السقوط والهزيمة أمام خصمه المتحفز.

المدنيون بقوا متماسكين عبر التحالف الذي يجمعهم في إطار قوى الحرية والتغيير، بل وزادوا تماسكاً واقتراباً من بعضهم في مواجهة الإنقلاب والاعتقالات، وانتقلوا إلى الشارع عبر مظاهر العصيان الذي أدى إلى شيوع الشلل في الحياة العامة أو كاد ذلك.

والعسكر بقوا ممسكين عبر تفوق قوة الجيش والأجهزة الأمنية بالسلطة، ولم يخرج أحداً من داخل المؤسسة العسكرية الأمنية احتجاجاً على الإنقلاب.

وأظهر المجتمع الدولي تعاطفه وتأييده للمدنيين، للخيار الديمقراطي، ورفض إنقلاب العسكر، ومطالبتهم الإفراج عن المعتقلين، وعودة المدنيين إلى إدارة الدولة.

بينما وجد العسكر لأنفسهم مظلة مخفية من قبل الأطراف الإقليمية التي منحتهم الدعم ضد المدنيين والحزبيين والنقابيين، وضد خيار الديمقراطية والتعددية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، خشية انتقال هذه المظاهر الديمقراطية لبلدانهم، ولذلك لم تظهر مظاهر الإدانة من قبل هذه الأطراف الإقليمية للإنقلاب العسكري، بل حرضوا العسكر على الصمود خفية، حتى ولو ظهرت من جانبهم بعض المطالب العلنية لتراجع العسكر نحو التفاهم مع المدنيين.

إذن يمكن قراءة المشهد السوداني، أن تفاعيله الداخلية كانت متوازنة، بين قوة الجيش في مواجهة قوة الأحزاب والنقابات والمظاهر الاحتجاجية في الشارع، وهذا التوازن بين المدنيين والعسكريين، أحبط سيطرة أحدهما منفرداً على المشهد السياسي للسودان.

كما يمكن قراءة العوامل الخارجية أنها لم تكن حاسمة في دفع أحدهما نحو الاستفراد والسيطرة، فكل منهما وجد مظلة تدعمه وتحميه، وقد ظهر ذلك جلياً باستجابتهما السريعة أو المترددة للوساطات الدولية والإقليمية والمتوقع نجاحها في لملمة الطرفين ودفعهما للتفاهم وفرض الشراكة بديلاً للاستئثار والتفرد.

ما زال الوضع في العالم العربي تحكمه معايير التفرد والاستئثار وغياب قيم الديمقراطية والتعددية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وتجربة السودان هي الأحدث، ونتائج تجربة الإنتخابات العراقية يوم 10/10/2021، ما زالت على صفيح ساخن، والانقسام الفلسطيني بين طرفي الاستئثار، بين غزة ورام الله تجسيد لفشل تجربة احترام التعددية، والديمقراطية والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، مما يدلل على أن محطات التعارض مازالت لم تصل إلى نهايتها المرجوة نحو احترام الخيار الديمقراطي.