نماذج التنمية الاقتصادية المطلوبة في الأردن

جفرا نيوز - قلنا في المقال السابق إن الاقتصاد الأردني واجه مع بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة كتلة معقدة من المعضلات والتحديات الاقتصادية. وها هي تلك المشكلات تتفاقم وتتراكم أعباؤها شهراً بعد شهر وسنة بعد سنة. الحال كذلك ولا توجد أي اشارة قوية توحي بقرب الخروج من نفقها على المدى القريب، وخاصة في ظل أولا استمرار جائحة كورونا وهذا عامل حديث أطل برأسه قبل عام تقريباً، وثانياً، استمرار تداعيات الصدمات الاقليمية على الأردن، وثالثاً، عدم فعالية السياسات الاقتصادية والمالية والاستثمارية المتبعة منذ سنوات في احداث نمو اقتصادي ينعكس على دخل الفرد ورفاهيته. وهذا قد يصل الى نتيجة مفادها ان نموذج التنمية المتبع منذ سنوات فقد فعاليته في احداث النمو الاقتصادي المستدام. فما هو نموذج التنمية المطلوب حالياً الذي سيمكن الأردن من استعادة زخم النمو من جديد؟

لا بد من أن نتفق على ان عجلة النشاط الاقتصادي الطبيعية لا يمكنها أن تعود للدوران من جديد، وبالصورة المعتادة، الا بعد السيطرة بشكل تام على جائحة كورونا. فأن من شأن ذلك أن يسمح لعودة كافة عوامل الإنتاج (العمالة ورأس المال والأرض والتكنولوجيا) لنشاطها المعتاد على الأقل عند مستوياته قبل العام 2020. وهذا كله مرتبط بنجاعة المطاعيم التي بدأت تنتشر في مختلف دول العالم. وعلى افتراض حصول انفتاح تام وعودة للنشاط الاقتصادي مع نهاية النصف الأول من هذا العام، سنعود للسؤال الرئيسي المطروح الا وهو: "ما هو نموذج التنمية المطلوب حالياً لاحدث نقلة نوعية في الأردن على كافة الصعد؟”
نطرح السؤال ونراجع تجارب الدول النامية والمتقدمة التي أحدثت قفزات نوعية بتاريخها التنموي، بعد الحرب العالمية الثانية. 

فنجد أن العوامل المشتركة بين هذه الدول كانت وجود رؤية طويلة الأجل، ومعايير وقيم مشتركة، وقواعد ومؤسسات تبني الثقة وتعزز التماسك، ووجود استراتيجية انمائية تكون موضع اجماع والتزام من مختلف الجهات والقطاعات. علاوة على توفر القــدرات الإدارية البيروقراطيــة القويـة، والعمـل بالسياسـات المناسـبة ضمن أولويــات يكون محورها الإنسان وتســعى إلــى توســيع الفــرص، وتأميــن الحمايــة مــن الانتكاســات والصدمات والازمات.

تشير دراسات دولية أجريت على عدة بلدان حققت قفزات تنموية خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية إلـى أن انطـلاق النمـو في تلك الدول لـم يكـن فـي معظـم الحــالات وليــد إصلاحــات اقتصاديــة جذريــة، وأنما بالعمـل التدريجـي وعن طريق إزالـة القيـود التـي تكبـح التقـدم. وكان دور الدولـة في كثير من الاحيان تصحيــح اخفاقــات الســوق وبنــاء شــبكات أمــان اجتماعــي وتوفير النظام البيئي المناسب للاستثمار بمختلف اشكاله وخاصة ذلك المبني على التعليم النوعي والابتكار والابداع الذي يعزز الميزة النسبية للدولة وادخالها في مرحلة التصنيع. فمــن ســمات الدولــة الانمائيــة وضــع سياســات صناعيــة تعتمــد إلــى الميــزة النســبية في مختلف مناطق الدولة.

بالنسبة للأردن، عنصر آخر مهم قد يساعد في احداث التنمية وهو المحافظة على معدلات طبيعية ومستقرة من النمو السكاني. وهذا يعتمد على عاملين رئيسيين: الأول، احدث قفزة في معدلات مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي، فان من شأن ذلك تفريغها للعمل والانتاج. والعامل الثاني، مدى قدرة الأردن على عزل نفسه عن الصدمات والأزمات الاقليمية لما لها من تأثيرات مباشرة على هيكل الاقتصاد وقدرته على التحمل والنمو. فهل ستكون الخطة التنفيذية للحكومة الحالية هي بداية الانطلاق نحو تبني نموذج تنمية شامل عليه اجماع من الكل وفيه التزام طويل الامد؟!