قَسَم النواب "مساجلة مُوْكلة ومَوْكولة"

جفرا نيوز - د. حفظي اشتية 

أعاد عدد من النواب في المجلس الحالي، وفي المجالس السابقة، القَسَم القانوني للالتزام بالنص الحرفيّ المطلوب، ونُطقْ الكلمة (مَوْكولة) وليس (مُوْكلة)، ولفَتَ ذلك أنظار المتابعين، وأثار عدّة أسئلة حول أصل كلّ من الكلمتين، والفرق بين معنيَيهما.
وظاهر الأمر أن كلّاً من اللفظين جاء على صيغة اسم المفعول، لكنهما من فعلين مختلفين: 

المَوْكولة: اسم مفعول من الفعل الثلاثي المجرّد وَكَلَ،
والمُوْكلة: اسم مفعول من الفعل الرباعي المزيد (أَوْكل)

وقد ورد في لسان العرب لابن منظور: وَكَلتُ أمري إلى فلان، أي: ألجأته إليه، واعتمدت فيه عليه. ووَكَلَ إليه الأمر: سلّمه. ويُقال: قد اتّكلَ عليك فلان، وأوكَلَ عليك، بمعنى واحد. ويُقال: قد أوكَلتُ على أخيك العمل، أي: خلّيته.
ويُستشفّ مما ورد في صحاح الجوهري أنّ وَكَلَهُ بمعنى: خلّاه وشأنه. واستشهد بقول النابغة:
كِليني لِهمّ يا أميمة ناصبِ وليلٍ أقاسيه بطيءِ الكواكبِ. 

وورد في المعجم الوسيط أنّ وَكَلَ إليه الأمر، معناه: سلّمه، وفوّضه إليه، واكتفى به. ووَكَلَ فلاناً إلى رأيه، أي: تركه، ولم يُعِنْه. ومنه قول الرسول عليه الصلاة والسلام: "اللهم لا تَكِلْنا إلى أنفسنا طَرْفة عين". 

والخلاصة أنّ معاني الفعلين في المعجم متقاربة ومتداخلة، وقد يختلف المعنى وَفق السياق.
وفي العودة إلى القرآن الكريم وُجد أنّ الفعل المجرّد (وَكَلَ) واسم المفعول منه ( موكول) لم يرد أيٌّ منهما في القرآن. وكذلك حال الفعل (أوكَلَ)، واسم المفعول منه (مُوْكل). 

لكنْ ورد الفعل المُضَعّف المزيد (وكَّل) مرّتين، جاء في إحداهما مبنياً للمعلوم، وفي الثانية مبنياً للمجهول.
أمّا توَكَّلَ بصيغه المختلفة ومشتقاتها، فقد ورد كثيراً. 

وعلى كلّ حال، فإن هذا الإشكال في القَسَم ثوّرَ عصفاً ذهنياً حميداً، وبعث الرغبة عند الناس في تفهّم أسرار العربية، وعبقريتها. 

وكان حَريّاً بمن استعاد النوابَ نُطقَ القَسَمِ مصوَّباً بلفظ موكولة لا موكلة – أن يلتفت إلى أخطاء لغوية أخرى تكررت، ولا تقلّ أهمية عن الكلمتين المذكورتين. 

من ذلك لفظ كلمة الدستور بفتح الدال خلافاً لنطقها السليم بضمّ الدال. فذكّرنا ذلك بما يشيع على ألسنة بعض العوامّ عندما يرددون كلمة( دَستور) تنبيهاً للمستضيف، واستئذاناً بالدخول. 

ولهذه المسألة أصل لغويٌّ تاريخيّ، فكلمة دستور فارسية، وهي من مقطعين :(دس) وتعني صاحب، و(ور)وتعني قاعدة. أي: صاحب قاعدة. ثم عُرّبت وأضيفت إليها التاء لتوافق الأوزان العربية، فأصبحت (دُستور) بالمعنى المعاصر المعروف.
وكانت قد دخلت إلى التركية أيضاً، وخُصصت لمعنى الإذن والتصريح بالدخول أو الكلام أو غيره.
وشاع استخدامها بهذا المعنى في اللهجات العربية المحكيّة. وهذا يُفسر القول المشهور:( دخل علينا لا إحم ولا دَستور) يعني: فاجأنا بالدخول دون أن يتنحنح لتنبيهنا، وإشعارنا بوجوده، ودون أن يستأذننا. 

وعلى المحمل نفسه يُفهم قول المشعوذين: ( دَستور يا أسيادنا) يطلبون بذلك إذن أسيادهم من ساكني المكان غير المرئيين.
ومن الأخطاء التي شاعت في ترديد القَسَم أيضاً نصب كلمة الموكولة. ومن عجبٍ أن المُلَقِّن كان يُصرّ على النائب المُقسِم أن يصوّب موكلة إلى مَوْكولة، ويضبطها له بالفتح. والواقع أنها مجرورة لأنها صفة للواجبات المجرورة بالباء، والصفة تتبع الموصوف في الإعراب. فيداهمنا بذلك قول الشاعر:
فقل لمن يدّعي في العلم فلسفة حفظتَ شيئاً وغابت عنك أشياء. 

وختام القول:
لعلّ هذا السجال، يحفّز السادة النواب قبل أن تنهال علينا خطاباتهم غداً، نقول: لعلّ هذا يحفّزهم على الاقتصاد في القول، والحرص على سلامة ضبط الكلمات ، وبخاصة في الآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة، وعيون الشعر، كي لا يؤذونا بالأخطاء اللغوية، ويزيدونا إحباطاً على إحباطنا، فإن عجزوا عن الأعمال، فليس أقلّ من الحفاظ على اللغة، وعدم نحرها على منابر الخطابة، وبطولات الأقوال.
ورحم الله المتنبي الذي قال:
لا خيل عندك تهديها ولا مالُ فليُسعد النطقُ إن لم تُسعد الحالُ.