العموش تكتب: على اعتاب المئوية.. الملك الذي أدار حكمه بالتشارك

جفرا نيوز - بقلم الدكتورة صفاء جمال العموش

لا تخلو البيوت الأردنية من حكايات ربما شخصية أو انطباعية مع ملوكهم الهاشميين..

لم اقض حياتي بين مرافقة الملوك والأمراء ولم ارتد البزة العسكرية (الفخر)، ولم التحق بالقصور الملكية، إنما مثلي مثل غالبية الأردنيين الذين يبنون انطباعاتهم إما بالاعتماد على التحليل أو لمعلومة امتلكوها بصفتهم الوظيفية أو العلمية.

فالحكاية الأردنية تبدأ مثل جغرافية المملكة، فهي كالبحر وما يحمله من صفات وفيها الوديان السحيقة ثم قمم تعانق عنان السماء، وكل رجالات الأردن وبناته خرجوا وارتقوا في مواقع العلم والعسكرية والسياسة انطلاقاً من تلك البطون الوديان.

فمنذ ازيد من قرن.. تسلم الملك عبد االله سلطاته الدستورية وإدار حكمه للمملكة الرابعة، بعد جنازة القرن للراحل العظيم الحسين الوالد، رحمه االله، والتي كانت حداً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ليس على الأردن وحسب بل في الإقليم والعالم وبما حملته الجنازة الأسطورية من تناقضات الحضور من أبناء النظام العالمي لتبدأ مرحلة جديدة...

«طوال حياته لم يفكر الملك بالحكم..» هذا ما قاله في مذكراته ولكنه تحّمل المسؤولية وواصل إدارة مملكته بخبرته التي تولدت بمر السنين ومثله مثل والده الراحل، حيث يحتفل الأردنيون بمناسبة ذكرى مولده في الرابع عشر من تشرين الثاني من كل عام، عندما تسلم العرش وهو صغير وأدار حكمه بالحكمة التي تولدت مع السنين وخصوصية الملفات السياسية آنذاك.

نتحدث عن ملوكنا ومملكتنا الحبيبة في المئوية من عمرها المديد، وصارت الأطول عمراً بين الممالك والجمهوريات، في ظل أزمة ثقة «للأسف» نتمنى أن نتخلص منها قريباً وبمجرد أن من يقدم تحليلاً أو نصيحة أو موقفاً صار يتعرض إلى سيل من الشتائم والتهم المعلبة، ويوصف الأردني بأقذر الأوصاف كـ «سحيج » أو طالب منصب أو جاه، رغم أن جاهنا في عزتنا وتماسكنا.

لسنا بصدد المقارنة بين ملكين هما الابن والأب، أو التطرق إلى ولي العهد الحالي الأمير حسين بقدر ما نهدف من تلك القراءة معرفة أحوال الدولة الأردنية ونحن على أعتاب إتمام المئوية فالملك عبد االله الثاني، كان واضحاً في كافة الملفات التي أشرف عليها ونفذها دون التباس أو مواربة وبشجاعة تامة «بشهادة الغريب قبل القريب» في أكثر الظروف حساسية وأكثر صعوبة وتعقيداً.

وبدأت الحكاية، منذ وصول الملك عبد االله الأول ابن الشريف الحسين بن علي، ملك ومؤسس المملكة الأردنية الهاشمية بعد الثورة العربية الكبرى التي قادها والده ضد الدولة العثمانية، إلى معان (قلب الجنوب) عام 1920 حيث لقي ترحاباً من أهالي شرق الأردن وقام بتأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921 ،وتشكّلت الحكومة المركزية الأولى في البلاد في 11 أبريل 1921 برئاسة رشيد طليع.

تلك الحكاية شخصية، حيث أخبرتني زميلة «أن الأمير الشاب الحسين، وعمره آنذاك 17 عاماً ولم يتسلم ولاية العهد بعد يزور الجامعة الأردنية ويلقي خطاباً» وككل الأردنيات والأردنيين يود أن يعرف أكثر عن الأمير وذهبت، حيث تفاجأت عندما وقف الأمير، على المنصة بكل ثقة واقتدار وتحدث للحاضرين دون القراءة من ورقة ولا خوف ولم يتلعثم ولم يبهره الحضور الكبير، بحديث علمي ومفهوم وبسيط، عندها علمت أن هذا «القائد الهاشمي» تم إعداده بشكل علمي ومميز، وتوصلت إلى قناعة بأننا «بخير» وهذا يحسب للملك الوالد أطال االله بعمره إشراكه الأمير في إدارة الحكم وشؤون المملكة، التي بدأت تشّكل تلك المساحات والحوارات والبرتوكولات وشبكة العلاقات الداخلية والدولية، ولي العهد، التي قربته شيئا فشيئا من الأردنيين وشكلت قاعدة الاطمئنان اليه وعليه ثم الانطلاق إلى العالمية لم تكن إدارة الملك عبد االله الثاني لمملكته بهذه البساطة، التي يتصورها البعض، فمن يجرؤ من الزعماء على قول: «عمري ما رح أغير موقفي بالنسبة للقدس، فموقف الهاشميين من القدس واضح، ونحن في المملكة الأردنية الهاشمية علينا واجب تاريخي تجاه القدس والمقدسات» و«القدس خط احمر» وبدلالات المكان ووسط حضور كبار القادة العسكريين وقادة الأجهزة الأمنية وفي المحافظات والمحافل الدولية في عز الترويج لصفقة القرن، ومازال المشككون وجلاّدوا الذات مستمرون في مشروعهم الخادع...!!

ربما امتلك الملك مشروعه السياسي الخاص به، عندما أطلق «الاءات» الثلاثة الشهيرة بشجاعة ودون مواربة وهي: (لا للمساس بالقدس، لا للتوطين، لا للمساس بالوصاية الهاشمية)، رغم أن السياسيين لا يفعلون ذلك للانعكاسات السلبية على تلك الموافق.

وأدرك بذكاء حاد يتميز به الأوائل وبصلابة وعزيمة، أن «صفقة القرن» وطاقم مهندسيها إلى زوال، ثم استثمر بالشعب وبالصبر على مواقف الاشقاء خلال الازمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد وفي ظروف غاية في القساوة والتعقيد، وهذا قلة من الزعماء والسياسيين وعلى رأسهم أصحاب المبادئ من يقوم بذلك..!!

واستطاع الملك بالخبرة المتراكمة، ممارسة أسرار مملكته، كمقاتل لا يحبذ إلا النصر، منذ بداية الحكم منذ أزيد من قرن وحتى «الربيع العربي» الذي هز وغير وجه العالم، فبدت الممالك كتلك الأرض التي تعرضت إلى غضب رباني (دمر المباني وحرق الأخضر واليابس، وهلك الناس وتشردت الشعوب..).

واستنزف حياته واستهلكها لاعباً إقليمياً ودولياً يلعب على وتر بالغ الحساسية ومشدود في شراء الوقت للوصول إلى الانتخابات الأميركية، ما يعكس دقه ما يفكر به للوصول إلى نهاية مرحلة فاصلة في الشرق الأوسط، والعودة إلى حل الدولتين والحفاظ على الوصاية الهاشمية التي وصل بالبعض إلى قناعة بوصفه (مشروعا مؤجلا وبرسم الموت)، واحياء مشروع السلام على أساس حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمته القدس، كل ذلك جرى والعالم كله مقتنع أن الرئيس دونالد ترمب صاحب مشروع «صفقة القرن» في طريقة إلى ولاية ثانية.

تلك الإدارة الإقليمية والدولية التي تجاوزت مساحة المملكة التي اعتمد طوال حياته على الشعب «وأنا وشعبي معي..» من العشائر وشتى الأصول والمنابت التي شكلت ركائز النظام وخطوط الدفاع المتينة عن العرش، فالملك لا يأبه عندما يجلس مع البدو في مضاربهم ويأكل مع العسكر ويتحدث إلى الأردنيين في الأرياف والقرى وتحت حب غامر، أحسبه متبادل.

يحمل الأردنيون للهاشميين، حباً صوفياً للملك والعائلة يشبه حب الناس للأولياء الصالحين وينعكس الحب سياسياً واجتماعياً على العلاقة بين الطرفين، وربما يحمل هذا الحب المعارضين والموالين، ولا يتملكهم الخوف والهلع على مستقبلهم وهذا مهم في
حياة البلدان ولديهم ثقة يقينية على أنهم «ميزان» البلد الذي فيه بقاؤهم.الرأي

أستاذ القانون التجاري في جامعة الزيتونة