رائد المحسيري .... الوفاء لفلسفتي


 جفرا نيوز - بقلم رائد صبحي المحسيري
بالتأكيد لن أدعي أني أذكر ذلك اليوم ساعة أبصرت عيناي النور، لكني أعلم أنه كان اللحظة التي فرضت علي خوض معارك الحياة، حين قدمت لي أول معركة في الثاني عشر من شباط 1984 تشاركتها مع والدتي الغالية، في ولادة عسيرة لم يشفع لمقاساتها فيها الثلج الكثيف وهو يضغط على سقوف المخيم أن يطمئن قلبها على فلذة كبدها وهو يصارع للبقاء حيا في الخداج، فتشفع رحمة الله لقلبها بانتصاري في أولى معاركي.
ترعرع هذا الطفل في مخيم الوحدات، مشتبكا مع أزقته الضيقة، متحفزا لحفره، متشربا قيمه وتاريخه. أنظر إليه من بعيد وهو يخطو خطواته الاولى في صفه الأول بيد أخي الكبير وصديق طفولتي ورفيق دروبي (سائد)، ثم ينتقل إلى مدرسة (ابو بشار) الاعدادية، وشريط صور معلمي وزملائي يمر في مخيلتي موجات متلاحقة.. هذا الاستاذ (محمود) وهو يحفزني أكثر لأحفاظ على تفوقي في دروسي، وذاك الاستاذ (ربحي) يتنبأ لي بتحقيق اسم لامع في الرياضة ان اخترت طريقها، وهؤلاء زملائي ماهر وجهاد وسعيد يصنعون من اجواء الدراسة معنى للصداقة والشراكة الأخوية..
كان طموحي يكبر معي كلما تجاوزت عقبة في الحياة حتى باتت قناعتي محتكمة بأنها لن تكون إلا سلسلة متلاحقة من العقبات والتحديات التي لا يمكن أن يحمل الانسان نفسه فيها الا بمواجهتها والانتصار عليها، فشحذت روح التمرد وصقلت إرادتي دخولي الى الحياة العملية مبكرا، وأي حياة عملية ستكون ما لم تنخرط في أسواق الوحدات لتنتزع رزقك من فم غول الحياة حرفيا، وسط تيار بشري يسعى لنفس الهدف، البقاء والنجاة من فم الغول.
نجحت في الوفاء لفلسفتي، فكانت كل عثرة تضيف لي مخزونا جديدا من المعرفة وذخيرة أمضى من العناد، حتى وصلت اخيرا لامتلاك بسطتي الخاصة، لن أسهب كثيرا لايصال معنى النجاح في ان تمتلك بسطة في ذلك الوقت داخل سوق الوحدات للخضار، فلن يقدر قيمة ذلك الانجاز الا من احتك في السوق حتى تستوعب تجربته المعنى الحقيقي لمثل ذلك النجاح في ذلك الزمان.
كانت تلك المعركة الكبرى الأولى. المحافظة على البسطة سيستولي على عقلك وقلبك على مدار الساعة، وسيكون الامر أشد صعوبة وأنت تحمل هما آخر لا يقل مصيريه وهو دراستك الجامعية. ليال وأيام كان فيها القلق من أن اخسر ايا منهما يطرد النوم من عيوني، أيام وأشهر كانت تحترق فيها قدماي من السير ساعات تحت وابل المطر او لهيب الشمس لأوفر رصيدا يجعل الحلم يستمر، بل ويكبر..
وكانت المغامرة التي راهنت عليها بحياتي، والانعطافة التي أجهل ما قد تخفيه ورائها، ولم تكن الخيارات كثيرة، فإما صعود وإما هاوية.
ألقيت كل ما املك في اكتراء محل في منطقة حي نزال، ولا ادري حقا هل الاسم الذي اطلقته على المحل هو من كان هاجسي ام المحل بحد ذاته، لكني اعلم علم اليقين أن هذا الاسم كان آخر شيء يمكنني التنازل عنه، لقد كان جزءا مني، شريكا ورفيقا في مصيري، سكنني لسنوات، حتى صار قدرا جميلا لا يفارقني.
كان الكرمل كفيلا بمدي بطاقة أقرب لغريزة الامومة في الدفاع عنه، لذلك كان على المحل ان يصمد وينجح لا باعتباره مشروعا تجاريا، بل كقيمة عاطفية لا تقدر بثمن، فصارعت كل المعيقات الممكنة التي يمكن ان تواجهها في بيئة وحي جديد، فمرت سنواتي الأولى وأنا أكدح في الفولاذ، حتى من الله علي بالنجاح.
هاهو الكرمل يرد لي جهدي بأن يستمر بالازدهار، ويحملني والكثيرين غيري على طريق الرزق الحلال، فيشرع ابوابه لمئات الأسر، ويذكرني دائما بالدين تجاه الله بأن نجاحه هو قصة الارادة والاصرار المقترنة بالحق والعدل والضمير الصاف.
وها انذا أمام معترك جديد، وكلسي ثقة بان الخير سيكون خلفه مهما كان، وانه سيكون دافعا جديدا لانتصار جديد للحياة..