هل يحق لهم وحدهم أن يغيروا نظام القبول في الجامعات؟!


جفرا نيوز - كتب - ابراهيم عبدالمجيد القيسي.

الحقائق المزمنة الكبيرة التي تقف في طريق تطوير التعليم العالي، وتحسين مخرجاته لتكون مطابقة لأهداف الاستراتيجية الوطنية لتنمية وتطوير الموارد البشرية، لا يمكن التجاوز عنها بقرارات من طرف واحد، ولو كانت الأمور بمثل هذه السهولة لما كانت هناك أصلا مثل هذه التحديات المزمنة، المتجذرة في حياتنا، والنابعة من ثقافة سيئة تسيطر على تفكير المجتمع، في نظرته لنوع الدراسة التي (يريدونها) لأبنائهم، فنحن نعاني بسببها من حزمة كبيرة من الاستثناءات في القبولات الجامعية، ولو جمعنا عدد المقبولين وفقها مع التعليم الموازي العادي والدولي في جامعاتنا الحكومية، لظهر العدد الضئيل الذي يمثل الطلبة المقبولين تنافسيا وفق نظام القبول الموحد في الجامعات، وهذه حقيقة موجعة يعرفها كل الناس، ويشاهدون بأعينهم كيف يتعبون على تدريس أبنائهم، وينفقوا المال ويجهدوا أنفسهم هم وأبناؤهم، وفي النهاية تتقاسم بل تستولي الكوتات والاستثناءات على معظم المقاعد الجامعية، وتمنحها لطلبة أقل تحصيلا مدرسيا من أبنائهم، ولا يحصلون على تخصص مناسب أو حتى لا يحصلون على مقعد جامعي في الجامعات الحكومية.


كيف يقوم مجلس التعليم العالي بتغيير نظام القبول الموحد في الجامعات، ويمنح الجامعات ٤٠% من علامة قبول الطالب، ولا يتم اعتماد التحصيل بالثانوية العامة الا بهامش ٦٠% من علامة القبول في الجامعة؟.

هذا التعديل يمنح مؤسسات غير مستقلة فعلا ليكون لها قرار في قبول الطلبة، وهو دور لا يمكن للجامعات ان تقوم به بعدالة، فثمة آلاف علامات الاستفهام على مجريات الادارة في الجامعات الحكومية، علاوة على ان الجامعات الحكومية لا يمكن أن تكون مستقلة، لأنها تعاني من مديونيات عالية تتجاوز ١٥٠ مليون دينارا، لهذا فهي تتوسع في القبول على برامج التعليم الموازي الدولي والعادي، وتبذل قصارى جهودها لتأمين جزء من نفقاتها ورواتب جيوش موظفيها، الذين يتوارثون الوظائف في الجامعات، وكأنها شركات عائلية، ويتقاسمون المقاعد الجامعية بقوانين وإجراءات (سكسونية).


نظام القبول الموحد في الجامعات، الذي تديره وحدة التنسيق والقبول الموحد في وزارة التعليم العالي، هو بالإضافة الى امتحان الثانوية العامة (الذي كنا نعرفه)، يعتبران ضمانة مهمة من ضمانات العدالة بين الفئة القليلة من الطلبة، خريجي الثانوية العامة وهي الفئة الخارجة من الرحمة ولا تشملها مروحة الاستثناءات، وفي حال اعطاء الجامعات دور في قرار قبول الطلبة الجدد من خريجي الثانوية العامة، فنحن بذلك نخسر هذه الضمانات كلها، ونمنح كل مقاعد الجامعات لدعاة التقاسم وشراكات المزرعة، ويجري هذا في وقت يزداد فيه عدد خريجي الثانوية عاما بعد عام.


حين تم تعميم فكرة السنة التحضيرية على كل التخصصات، حتى وإن كانت مجرد تجربة جديدة ولم نلمس بعد آثارها على ارض الواقع، فهي استراتيجية تعطي الجامعات فرصة لتحديد تخصص من تم قبولهم في الجامعة، فبعد عام دراسي في السنة التحضيرية يمكن للجامعات أن تتدخل في نوع المنتج الاكاديمي او المهني الذي تقدمه كلياتها، وهذا أكثر من كاف في مثل هذه المرحلة وفي مثل هذه الظروف المالية السيئة، التي يعاني منها الناس والجامعات والحكومات، لماذا تضيفون عبئا جديدا على الجامعات وعلى الناس، حين تقوموا بمزيد من (تنخيل) لفئة قليلة من الطلبة (غير المدعومين) سوى بجهدهم وكدّ أهلهم، ونتائج حروبهم مع لقمة العيش، حتى لو جرى الأمر على كل خريجي الثانوية، فإن الاستثناءات سيضاف إليها استثناءات غير واضحة، تخضع لمزاج ادارة وموظفي الجامعات، وهذه مغامرة خطيرة وعبث في موازين العدالة التي نعرفها.

لا يجوز الاجتهاد بإصدار مثل هذه القرارات وإجراء مثل هذه التعديلات من طرف مجلس التعليم العالي ولا حتى من طرف الحكومة، دون الاستماع للآراء الكثيرة المختصة الأخرى، فنحن نتحدث عن مستقبل مجتمع ودولة، وهو لا يخضع بأي حال لاستفراد جهة ما أو تذاكي متحمس ما، الصورة أوسع من هذه النظرة التي اعتبرها مزاجية وضيقة ولن تسهم سوى بإنتاج مزيد من الفوضى في ملف التعليم بجميع مستوياته.

ومهما كانت أهمية هذه القرارات فسوف تتراجع عنها الدولة مستقبلا، لأن الدستور لم يتعطل كما نعلم، وفي تعديلاته الأخيرة منع إصدار القوانين المؤقتة، ومثل هذه التعديلات على أنظمة وقوانين مستقرة، هي أخطر من قانون مؤقت، وسوف تستنزف وقتا وجهدا وينتج عنها تحديات وأزمات وقضايا سياسية في المستقبل القريب، ويتم أخيرا التراجع عنها.

العدالة وسيادة القانون قيمة وخلق وخيار اردني لا رجعة عنه ولا يخضع لاجتهاد طارئين في ظرف طارىء.