الاستقواء على القانون سلاح لفاسدين يهدد بتقويض جهود محاربة الفساد

حفرا نيوز - ماجد توبة في لجة الحديث عن الفساد والمطالبات العريضة والواسعة في الشارع الأردني وبين النخب السياسية والمعارضة بمحاربته، وضرورة تقديم "قرابين" ورؤوس كبيرة للقضاء، للمحاسبة واستعادة أموال عامة "منهوبة"، تستوقف المراقب بقوة ظاهرة اللجوء والاستقواء بالعشيرة والصلات القرابية والطائفية والاجتماعية، للتهرب من المحاسبة والمساءلة عن قرارات وشبهات لتجاوزات ومخالفات يرتكبها هذا المسؤول أو الموظف العام أو ذاك!
لم تعد ظاهرة الاستقواء بمثل هذه الأبعاد الاجتماعية وصلات الدم، للتهرب من المسؤولية والمحاسبة والإفلات من العقاب وسيادة القانون، بقصة معزولة أو حوادث محصورة، بل باتت سلاحا "خارجا على القانون" يستمرئ الكثير من المسؤولين والموظفين العامين، الاحتماء به، والهروب إليه.
القطاع الخاص والعمل الأهلي، هما أيضا لم ينجوا من التوظيف السلبي والخطير لظاهرة الاستقواء بالعصبية وصلات الدم والتقسيمات المجتمعية والمناطقية، في عملية حرف وتشويه واسعة لقيم وعادات وسمات و"سلبيات" مترسخة في المجتمع الأردني، كسلاح للتهرب من القانون والمساءلة والخضوع لسيادة القانون والمؤسسات المكلفة بإنفاذه!
ويلحظ المتابعون أيضا ترافق الظاهرة المذكورة بظاهرة أو "ميكانزم" سياسي واجتماعي آخر، يصب في ذات هدف الاستقواء على القانون والمجتمع، يمكن توصيفه بلجوء مسؤولين عامين أو شخصيات عامة إلى فكرة "المظلومية" القائمة على الأصل أو الطائفة، والاستناد على انتشار مظاهر إقليمية وعنصرية وتفرقة، كمبرر ومفسر، لاستهداف "مفترض" لمسؤولين وموظفين عامين، وصولا إلى خلق رأي عام مناصر لهذه الشخصية أو تلك، بدعوى تعرضها للظلم والاستهداف على الأصل والمنبت، فيما تضيع في خضم هذا التحريف أسئلة المحاسبة والخضوع للقانون والشفافية.
هذه الظاهرة المتشعبة، لم تعد أمرا مستترا أو مخفيا، بل باتت ملموسة بصورة واسعة في المجتمع وبين النخب والمشتغلين في العمل العام، بل والأخطر أنها تتزايد وتتفاقم كلما اشتدت مطالبات الشارع والحراك السياسي والإصلاحي بمحاربة الفساد، وضرورة اجتثاثه من دولة أرهقتها ملفات الفساد والإفساد، وأنهكت مقدراتها وموازناتها قضايا فساد كبرى، بقيت بدون نبش أو محاسبة.
الاستقواء بالأبعاد العشائرية والمناطقية والاجتماعية، والتغطي بـ"مظلومية" الأصل والمنبت، سجلت في قضايا موارد والمصفاة، والمنحة النفطية والأراضي، وشبهات الفساد التي رافقت خصخصة مشاريع وقطاعات، وبرنامج تحول اقتصادي، ومشاريع مبادرة سكن كريم، وبلدية الزرقاء وقضية اتحاد العمال، وغيرها الكثير الكثير.
الضحية لظاهرة الاستقواء، هو القانون وحقوق المجتمع والشعب، بما فيه حق الفئات الاجتماعية والعشائرية التي يلجأ للاستقواء بها المسؤول الفاسد، أو الذي تدور حوله الشبهات، فيذهب حقها وحق المجتمع والدولة تحت وقع العصبية والهويات الفرعية.
في هذه اللحظة الفارقة، التي يدق فيها الربيع الأردني الأبواب بقوة، ويتزايد فيها حراك الشارع وسقف شعاراته ومطالبه بإصلاح حقيقي واجتثاث للفساد الهيكلي والمُمأسس الذي أوصلنا إلى أوضاع مزرية لا تسر صديقا، تعود ظاهرة الاستقواء بالعصبية العشائرية والمجتمعية والمناطقية و"مظلومية" الأصول والمنابت، لتطل بأقوى تجلياتها وإرهاصاتها، لتهدد كل الجهود الوطنية للإصلاح ومحاربة الفساد، وإعادتنا إلى المربع الأول.
قد تكون المشكلة الرئيسية لانتعاش ظاهرة الاستقواء على القانون للتهرب من الفساد والمحاسبة، هي غياب القانون وتطبيقه بعدالة وشفافية وبدون مهادنة عبر فترات طويلة لحسابات سياسية، ولغياب الإصلاح والمؤسسية والشفافية، وتغول السلطة التنفيذية على باقي السلطات، ما ترك الباب مفتوحا للجوء إلى الهويات الفرعية والعصبيات كملاذ ومهرب.
لم يعد كافيا الحديث عن ضرورة تمسك الدولة والحكومة والقضاء بسيادة القانون، وضرورة محاربة الفساد وعدم المهادنة في فتح جميع الملفات واستعادة كامل حقوق الدولة والمجتمع من الأموال المنهوبة، فكل ذلك، على أهميته وضرورته، لن يجدي ولن يثمر نتائج حقيقية، إن لم يترافق شعار محاربة الفساد لدى النضال والحراك الإصلاحي والمجتمعي مع جهود شعبية ومجتمعية حقيقية وغير مهادنة في التصدي لظاهرة الاستقواء على الدولة والقانون وحقوق المجتمع بدون مهادنة، والتوحد ضد ظاهرة اللجوء إلى العصبية العشائرية والقرابية والمناطقية، تحديدا في ملف مكافحة الفساد، واستعادة حقوق الشعب وأموال الخزينة.