وصفة للحكومة : "محلول" لسرعة الإنجاز.. و"حبوب" للمبادرات الفورية... و"مصل" لمكافحة الفساد وإطلاق الحريات

جفرا نيوز - جهاد المنسي  خلال الأسبوعين الماضيين، شهدت الساحة الداخلية تغييرات واسعة في "مطارح" متعددة، كان أبرزها موقع رئيس الحكومة، ومدير المخابرات، ورئيس مجلس النواب، فضلا عن إعادة تشكيل مجلس الأعيان، بأسماء منها 43 جديدة، إضافة إلى رئيس جديد للديوان الملكي، وتعيينات أخرى في الديوان طالت كبار المسؤولين.
والمفترض في التغييرات الواسعة التي شملتها مؤسسات الدولة المختلفة، أن تأتي بجديد، سواء على مستوى التواصل مع الناس، أو على مستوى الأفعال الإصلاحية والاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية.
والمفترض، أيضا، أن نبدأ سريعا بقطف ثمار كل التغييرات التي حصلت، وأن يلمس المواطن ما أراده رأس الدولة من تلك التغييرات، لأن التأخير لا يصب في مصلحة التغيير، أما الإبقاء على نغمات قديمة، وسمفونيات مشروخة تمارسها هذه الجهة أو تلك، فلا يصب في المصلحة العليا للدولة.
وما قاله الملك، سواء في خطاب العرش أو في كتاب التكليف، أو في رسالته لمدير المخابرات الجديد، كلها رسائل مهمة تنطوي على درجة عالية من الديمقراطية، والمسؤولية، والشفافية، والإصلاح، وتشتمل على رؤية ثاقبة، وعين مفتوحة على كل ما يجري حولنا، وتدفع بنقلة نوعية لمسيرة الإصلاح في المملكة، وتدفعها خطوات إلى الإمام.
وكان الملك في رؤياه وكلماته، متقدما على كل من حوله، فهو الذي أشار إلى حكومات برلمانية منتخبة، وهو الذي نبه إلى موضوع مناقشة مجلس النواب في تشكيل الحكومة، وشخصية الرئيس المكلف قبل الإعلان عن تكليفه، وهو دوما يقدم إضاءات إصلاحية متطورة.
المطلوب، إذن، أن يبقى المسؤول قريبا من رؤية الملك، وأن لا تتسع الهوة بين الرؤية الملكية للإصلاح بكل أشكالها، وبين طريقة تنفيذ الحكومات ومؤسسات أخرى في الدولة لتلك الرؤية.
وإذا التزمت الحكومة كسلطة تنفيذية برؤى الملك، بكل حذافيرها، وبدأت تعمل لتنفيذها على أرض الواقع بدون إبطاء أو تأخير، فتكون وقتذاك، قد قطعت شوطا كبيرا إلى الإمام.
أما إذا بقيت الأمور على ما هي عليه، وظل المسؤول مرعوبا غير قادر على  الإقدام، وواصلت قوى الشد العكسي والمحافظة ممارسة دورها الترهيبي للمسؤولين، فإن السلطة التنفيذية ستجد نفسها، بعد أشهر قليلة، غير قادرة على  تنفيذ برنامجها أو الالتزام بكتاب تكليفها، وهو ما حصل مع حكومات كثيرة متعاقبة.
ولا ريب أن القوى الراديكالية والمحافظة غير قادرة على رؤية ما يجري حولها من متغيرات، وتعتقد أن القبضة الشديدة أو الأمنية قادرة على إبقاء الأمور تحت السيطرة، وهي تمارس دوما، ضغوطا على الحكومات المتعاقبة، انطلاقا من سيمفونيات قديمة.
وأما الشعب فلا يريد إصلاحا مشروخا، أعرجَ، ولا يريد أن يعود للاستماع إلى سمفونيات مشروخة، طالما رددتها جهات لأهداف معروفة للجميع، وباتت غير قادرة على طرح أكلها على النحو الذي ترغب به تلك الجهات.
العالم كله أصبح قرية صغيرة، والحدث الذي يحصل في الدومينيكان في المحيط الأطلسي مثلاـ يكون المواطن في لواء القصر بالكرك أو في عيمة بالطفيلة، أو في الحلابات، يعرف عنه، ومن هنا فإن الطريقة القديمة في التعامل مع الأشياء باتت بالية وغير مفيدة في المرحلة الحالية، وأصبح لزاما على أولئك الذين تسنموا مواقعهم حديثا، أن يغيروا من أدواتهم السابقة، ويتعاملوا مع رؤية الملك الإصلاحية على النحو المنشود. 
والسلطة التنفيذية أمامها فرصة ذهبية، لأن طريقها بلا أشواك أو عراقيل، وهي أمام رئيس جديد لمجلس النواب، ومجلس أعيان جديد، إضافة إلى رئيس جديد لدائرة المخابرات، حدد الملك الكثير من دورها في رسالته إلى مديرها، وأمام رئيس جديد للديوان الملكي، وبالتالي فإن الساحة باتت مفتوحة للحكومة لفعل ما تريد، وتنفيذ برنامجها، وفق كتاب تكليفها، وعلى النحو الذي تراه مناسبا، ولا حجة لديها من تدخل هذه الجهة أو تلك. ولو سمحت بتدخل أي جهة الآن، فذلك دليل على ضعفها، وليس دليلا على أي أمر آخر.
مجمل القول، أن لا حجة للحكومة لإعادة نغمة حكومات سابقة اشتكت من وجود "لوبيات" ضدها من هذه الجهة أو تلك، فهي، أي الحكومة الحالية، جاءت على أرضية بيضاء، وهي، بكل تأكيد، ستصطدم بقوى مجتمعية بيروقراطية، متحفظة ومحافظة، وهذا أمر عادي، كما ستصطدم بقوى مغالية، "لا يعجبها العجب"، وهو أمر طبيعي أيضا، وهذه دعوة بأن لا تضيع بين هذا وذاك، وتفيق فلا تجد لها مكانا، وتصبح أثرا بعد عين، ويصبح وزراؤها، حينئذ، موظفين فقط، وليسوا رجال دولة.
إن ما نريده في المرحلة المقبلة، أن يكون كل وزير في هذه الحكومة رجل دولة، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، قادرا على اتخاذ القرار الميداني، وعلى المبادرة، والدفاع عن رؤيته.
ولو استطاعت الحكومة الحالية الانتقال بوزرائها من خانة الموظف إلى مصاف رجال الدولة، فإنها تكون قد قطعت أكثر من نصف الطريق نحو الإصلاح المنشود، وكرست طريقة جديدة، تنهي بموجبها ما تراكم من ضعف عمّ الحكومات السابقة.
إن الحكومة التي عليها أولا تخفيف الاحتقان، ربما تعرف أن الوصفة الأقرب لتحقيق ذلك هي  "محلول" لسرعة الإنجاز، و"حبوب" للمبادرات الفورية، و"كاريزما" خاصة، إضافة إلى "مصل" لمكافحة الفساد، وإطلاق قوانين الحريات، علاوة على انتخابات حرة نزيهة، لا يد فيها لأي جهة كانت، باستثناء يد الناخب.