مواقف الفصائل الفلسطينية حول الانتخابات العامة: بين الثابت والمتغير

جفرا نيوز - كتب فادى  منصور-  غزة  منذ أن طرح الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة خلال شهر أغسطس الماضي 2019 موضوع الانتخابات كأحد الخيارات المتاحة للخروج من الانقسام سادت الساحة الفلسطينية حالة من الجدل حول قضية إجراء الانتخابات في ظل استمرار الانقسام، فقد انقسمت الآراء حول أهمية إجراء هذه الانتخابات والآليات والمحددات التي يجب توفرها لإنجاح العملية الديمقراطية في ظل انسداد أفق المصالحة الفلسطينية عقب التوقيع على العديد من الاتفاقيات بدون الوصول إلى مرحلة انهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية كخيار رئيسي لمواجهة التحديات التي تفرضها التنكر الإسرائيلي للحقوق الفلسطينية من جانب والتحول في الوقف الأمريكي تجاه قضايا الحل النهائي من جانب أخر. من حيث المبدأ لا يمكن إلا التأكيد على أهمية إجراء الانتخابات العامة الفلسطينية، وضرورة اللجوء للشعب للفلسطيني للخروج من الأزمة باعتبار أن الشعب الفلسطيني هو مصدر السلطات الأول، وهو صاحب الحق المطلق في اختبار حكامه، إلا مواقف الفصائل الفلسطينية حول الانتخابات التي دعا إليها الرئيس محمود عباس لا تنطلق من هذا المبدأ الثابت باعتبار أن الانتخابات الدورية كل أربع سنوات كما نص على ذلك القانون الأساسي (دستور السلطة) المنظم لعمل السلطة الفلسطينية هي أمر ثابت من ثوابت هذه الفصائل الفلسطينية، وإنما تنظر الفصائل للانتخابات من باب المصالح الحزبية الضيقة، في ميزان الربح والخسارة. لقد جاءت معظم مواقف الفصائل الفلسطينية تجاه قضية الانتخابات وضرورة عقدها في ظل تأزم المشهد السياسي انطلاقة من زاوية المصالح الحزبية وليس باعتبارها ثابت من الثوابت الوطنية التي حددها القانون الأساسي، فجاءت جُل هذه المواقف سواء التي وافقت عليها بشكل مباشر أو من تحفظ عليها؛ انطلاقاً من مبدأ -لا نريد انتخابات ولكن في نفس الوقت لا نريد تحمل مسؤولية أفشال هذه الدعوة أمام الرأي العام-، لذلك حاول كل طرف من الأطراف الظهور بمظهر المرحب بالانتخابات من حيث الظاهر بينما يعمل على توتير الأجواء سواء بالتصريحات أو الاعتقالات لعدم توفر الأجواء المناسبة لإنجاح هذا العرس الديمقراطي. فالدعوة لإجراء الانتخابات والقبول المشروط بها ومواقف الفصائل الفلسطينية منها مازالت تندرج في سياق التكتيك السياسي وليس في سياق الاستراتيجية الثابتة لإجراء الانتخابات بشكل دوري مثل باقي دول العالم المتحضر، وما يؤكد صحة هذه المقاربة هي الشروط والمحددات التي يحاول كل طرف وضعها أمام الطرف الأخر لتعقيد المسألة أكثر ودفعه لرفض إجراء الانتخابات في الوقت الحالي، الأمر الذي يجعل القبول بها من قبل حركتي فتح وحماس يندرج في سياق التكتيك المتغير وليس في سياق الاستراتيجي الثابت، كون أن حركة فتح طرحت مبادرة الانتخابات كورقة ضغط على حركة حماس لإحراجها أمام الرأي العام من جانب، ومن جانب آخر للهروب من مبادرة الفصائل الفلسطينية التي رأت فيها الحركة  أنها لا تتوافق مع رؤيتها للمصالحة، بينما جاء قبول حركة حماس المشروط بها كنوع من المناورة السياسية من جانب، ومحاولة الاستفادة من الانقسام الداخلي في حركة فتح من جانب آخر، بينما جاءت معظم ردود أفعال الفصائل الأخرى إما انعكاس لموقف حركة فتح عبر الموافقة المباشرة على عقد الانتخابات، بدون النظر في اليوم الثاني لعقدها، الإشكاليات المتوقعة على النتائج وآليات التعامل مع الانقسام عقب إجراء الانتخابات، أو متوافقة بشكل شبه تام مع مواقف حركة حماس عبر توقيع السيد إسماعيل هنية على ورقة التفاهم مع لجنة الانتخابات المركزية نيابة عن باقي الفصائل، ما يجعل من مواقف حركتي فتح وحماس وتوجهاتها تجاه الانتخابات المحدد الرئيسي في طريق إجراء الانتخابات من عدمه. النظر لقضية الانتخابات التشريعية والرئاسية والبلدية بشكل دوري على أنها جزء من التكتيك السياسي للفصائل الفلسطينية مسألة يجب النظر إليها باعتبارها معيقة للتطور والتنمية السياسية في مجتمع  أصبح يعجُ بالكوادر والشخصيات الأكاديمية والفكرية القادرة على حمل لواء القضية الفلسطينية والدفاع عنها في المحافل الدولية، الأمر الذي يحول دون دفع دماء جديدة في النظام  السياسي الفلسطيني، ويدفع المجتمع الفلسطيني لمزيد من التكلس السياسي والوظيفي ويحول دون تدافع للأجيال ويمنع أجيال كثيرة من أخذ فرصة في العمل السياسي، ناهيك عن استمرار الدوران في الدائرة المفرغة حول المصالحة بما يعني مزيد من التدهور السياسي والاقتصادي والاجتماعي في ظل العديد من التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية على المستويات المحلية والخارجية ما يتطلب اعتماد الانتخابات العامة كألية ثابتة وليس كمجرد تكتيك مرحلي.