المسكوت عنه في المسألة الحزبية
جفرا نيوز - المهندس عادل بصبوص
مع دخول مجلس النواب في سنته الدستورية الأخيرة، دب النشاط مجدداً في الأوساط المهتمة بالعملية الإنتخابية، فمن طامح إلى الوصول إلى قبة البرلمان يعلن مبكراً عن نيته الترشح للإنتخابات، إلى أوساط سياسية وحزبية وإعلامية تتساءل عما إذا كان ثمة قانون جديد يتم تحضيره لهذه الدورة من الإنتخابات كالعادة أم سيتم الإبقاء على قانون الإنتخابات الحالي، إلى مقالات صحفية تتناول بالبحث والتحليل الإستحقاق الدستوري الأهم في الحياة السياسة الأردنية.
ضمن هذه الأجواء نشر الدكتور رحيل غرايبه الأمين العام لحزب المؤتمر الوطني "زمزم" والقيادي السابق في جماعة الأخوان المسلمين الأسبوع الماضي مقالا قصيراً في الصحف والمواقع الإلكترونية قال فيه تحديداً "أنه لا يجوز الوصول إلى مواقع المسؤولية في الدولة إلا من خلال حزب يملك برنامجاً ومشروعاً" وأنه يجب صياغة قانون إنتخابي يضمن وصول المجموعات السياسية والحزبية إلى البرلمان، حتى لو إقتضى الأمر "إجبار (؟؟؟) المواطنين على إنتخاب الأحزاب من خلال هذا القانون"، تماماً كما يجبر قانون الضريبة المواطنين على دفع ما يستحق عليهم من ضرائب .
نتفق تماماً مع ما يراه الدكتور من ضرورة العمل على الإنتقال من ثقافة التجمعات القبلية إلى ثقافة التجمعات السياسية على قاعدة الطروحات الفكرية والسياسية، إلا أننا نؤكد أن هذه مهمة طويلة الأمد وليست سهلة إبداً وينبغي أن يتصدى لتنفيذها المجتمع بمجمله، ولا يمكن حلها بمجرد تعديل تشريعي يلزم المواطنين بالتصويت خلافاً لقناعاتهم، لأن ذلك يخالف روح وفلسفة الديموقراطية أولاً ولأنه قد يؤدي إلى إحجام الناس عن المشاركة بالعملية الإنتخابية ثانياً، لا يجوز للنخب السياسية أن تحمل فشلها في الوصول إلى الجماهير وكسب ثقتهم على قصور تشريعي هنا أو خطأ تنفيذي هناك، فالاحزاب السياسية تاريخياً لم تنشأ بناء على هبة أو مكرمة من هذه الجهة أو تلك وإنما نتيجة إستجابة طبيعية لهموم وإحتياجات الناس من قبل نخب أخذت على عاتقها الكفاح والنضال لتبني هذه الهموم والإحتياجات والعمل على تلبيتها من خلال أفكار وطروحات تطورت لبرامج ومشاريع ألتف الناس حولها ضمن أطر تنظيمية على مستوى القواعد أفرزت قيادات تمثلها فكانت الأحزاب.
إن إنشاء حزب سياسي لا يتطلب فقط وضع رؤى وبرامج ومشاريع كما قد يتوهم البعض، فالأفكار الجيدة وحتى المثالية كانت موجودة دوماً على قارعة الدروب والمسارات التي سلكتها الشعوب منذ فجر التاريخ، ما تحتاجه الشعوب هو نخب وقيادات تعمل وتضحي لتنفيذ هذه الأفكار ليس طمعاً في مكسب او سلطة أو جاه وإنما تحقيقاً لهدف وأداءاً لرسالة، عندها سوف تتداعى الجماهير زرافات ووحداناً لإنتخاب هذه القيادات ولن تكون بحاجة لمن يجبرها على ذلك
نعلم جميعاً أن البلاد كانت تشهد حياة حزبية نشطة أواسط الخمسينات من القرن الماضي وأن المتغيرات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية التي حصلت بعد ذلك قد أدت إلى تراجع كبير في دور الأحزاب السياسية، ولم تنجح عودة الحياة الديموقراطية أواخر الثمانينات في تغيير ذلك، فما زالت الأحزاب في معظمها لا تتمتع بأي حضور فعلي في الحياة العامة للمواطنين، فعلى مدى ثلاثة عقود من الحياة البرلمانية لم تنجح هذه الأحزاب – بإستثناء واحد منها ولأسباب معروفة - في ايصال نواب للبرلمان، ليس هذا فقط بل أن معظم الأحزاب التي تكاثرت حتى غدت بالعشرات غير معروفة تماماً للغالبية العظمى من المواطنين.
إن غياب الاحزاب السياسية أو تغييبها في مرحلة تاريخية معينة قد أتاح المجال لظهور الأطر العشائرية التي ملأت الفراغ وأصبحت المجال الحيوي الذي يتنافس الطامحون من خلاله لكسب الدعم والتأييد ليس للوصول إلى قبة البرلمان فقط وإنما إلى مناصب ومواقع مسؤولية أخرى في الدولة، ولم تنجح الأحزاب بعد عودتها إلى الساحة في إسترداد ما خسرته من دور وبقيت العشيرة لا الحزب هي الجسر الذي يمر فوقه العابرون إلى مجلس النواب، أخفقت الأحزاب في أخذ دورها الطبيعي في الحياة السياسية في البلاد ليس فقط بفعل ما استقر في أذهان العامة من تراكمات سلبية خلفتها العقود السابقة عن الحزبية والتحزب
وإنما أيضاً بسبب سطحية ونمطية وضعف الشعارات والبرامج التي أعلنتها إضافة إلى هشاشة الهياكل الحزبية التي ظهرت وغياب أو ضعف الأرصدة الشعبية لدى الشخصيات التي تصدت لإنشاء أو قيادة الأحزاب السياسية الناشئة أو تلك التي صعدت إلى السطح بعد ترخيصها، فظهرت أحزاب سرعان ما أختفت ولم تشفع لها الأسماء الكبيرة التي تقدمت صفوفها الأولى، فيما بقيت أحزاب أخرى تراوح مكانها ولم تسجل أية إختراقات تذكر لا على صعيد استقطاب أعضاء جدد ولا في مجال تحقيق إنتشار وتأييد شعبي يمكنها من الوصول إلى البرلمان ولا حتى إلى مجالس النقابات والمنظمات المجتمعية.
إن توجيه اللوم إلى الحكومة وحدها بسبب عجز الأحزاب عن الوصول إلى البرلمان، فيه شيء من الظلم، فمسؤولية ضعف الأهتمام الشعبي بالأحزاب تقع بالدرجة الأولى على قيادات وكوادر هذه الأحزاب التي يجب أن تراجع مسيرتها وأساليبها ومنهجياتها قبل أن توجه أصابع الاتهام يمنة ويسرة، فمن لا يستطيع تسويق برامجه وطروحاته ويعجز عن كسب تأييد ودعم القواعد الشعبية، لا يحق له أن يطلب وضع التشريعات التي تلزم هذه القواعد بإنتخابه، أمر لو تم فيه الكثير من المثالب أبسطها التأثير على إرادة الناخبين مما لا يمكن أن يشكل أساساً صحيحاً أو مرتكزاً راسخاً لحياة سياسية سليمة ومنتجة.