الضربات القويّة تهشّم الزجاج..... لكنها تصقل الحديد

جفرا نيوز - سادت النبرة التشاؤمية منصات التواصل الاجتماعي في الحديث عن الاقتصاد الوطني ومستقبله ، مع غياب الخطاب الحكومي وتقاعس دور القطاع الخاص في تقديم تقييمات بنّاءة ، بل ومجتزاه احيانا ، والذي اعاق فرص تشخيص الواقع الاقتصادي لإيجاد سبل التعافي المحتمل في حال استمرار هذا النهج، وعزز ذلك عزوف الحكومات المتتالية عن دورها في دفع التفاؤل مدعوماً بإجراءات واقعية وحقيقية ، لا نختلف جميعا على أن الوطن يمر بظروف اقتصادية استثنائية غاية في الصعوبة ، ويعتبر العام الحالي هو الأسوأ بخلاف ما تنبأت به الحكومة السابقة وما صدر عن الحكومة الحالية ، والمؤشرات والمعطيات تؤكد أننا ما زلنا بعيدين كل البعد عن الخروج من الأزمة 
 واعتقد جازما أن الأزمة الاقتصادية الحالية ليست وليدة سياسات اقتصادية خاطئة منذ عهد قريب، إنما تراكمات لفشل سياسات حكومية وخطط اقتصادية لا ترتقي منذ عقود ان تكون محاولات حقيقة جادة لمواجهة المشكلات الاقتصادية آنذاك وحلها، وحينما حاولنا متأخرين التصدي لها كانت الأمور قد استفحلت واستعصت .
ولان حالة عدم اليقين بشأن واقع الوضع الاقتصادي ومستقبله هي السائدة اليوم ، وسط تباين التصريحات الحكومية وقراءات الخبراء والمحللين ، وفي ضوء القرارات الاقتصادية والإجراءات التي اتخذتها الحكومة خلال العام الماضي والتي تمثلت بزيادة الضرائب والأسعار وإلغاء الدعم عن الخبز فقد ساهمت في تعميق الأزمة الاقتصادية فبالإضافة إلى زيادة الضرائب والأسعار تم سن تشريعات من شأنها زيادة مشكلتي الفقر والبطالة مثل قانون العمل ، وقانون الضمان الاجتماعي 
 وعليه ارى ان اقتصادنا الوطني يبتعد عن الخروج من الحالة المأزومة ضمن المدى المنظور ، اذا علمنا ان مشاكل اقتصادنا تتمثل في ضعف الإنتاجية وارتفاع عجز الموازنة والدين العام وصعود مستويات الفقر والبطالة لمستويات لم نعهدها من قبل ، يضاف لذلك معاناة الوطن من قلة الثروات الطبيعية وخصخصة كثيرا من موارده المتاحة ، اضافة الى قلة مصادر المياه والأراضي الزراعية والكلفة المرهقة لمصادر الطاقة .
أن التحديات الجسام التي ساهمت في تعقيدات اقتصادنا الأردني لا تزال قائمة، كتبعات إغلاق الحدود مع كل من العراق وسورية، وتراجع الصادرات إلى هذه الأسواق بل وتوقفها احياناً ، وانعكس الامر تعقيدا أمام الكثير من المستثمرين مما دفع البعض منهم للهجرة إلى بلدان أخرى بحثا عن فرص أفضل من حيث انخفاض الكلف المالية من ضرائب وأسعار مواد خام وغيرها ، وعليه فأن كافة القطاعات الاقتصادية في الوطن تعاني لا بل وشهدت تراجعا ًفي أدائها مثل قطاع العقار والقطاع المالي والصادرات ، لذلك لابد من تفهُّم التحديات وتشخيص الواقع بمنهجية واقعية تقود الاقتصاد نحو التعافي لنساهم في احداث الطمأنينة النسبية في البيئة الاقتصادية الأردنية بشكل عام ، والاستثمارية بشكل خاص 
أن حل مشكلة الاقتصاد الوطني تتطلب قدرة على اتخاذ إجراءات استثنائية لتصويب وضعية القطاعات الاقتصادية ،لأنّ الحالة العامة للاقتصاد الوطني ليست في حالة صحية ، فإلى أي مدى يمكن أن نستمر في الاعتماد على المساعدات والمنح الاقتصادية الخارجية؟ ومتى نبدا الخطوة الاولى في الاعتماد على الذات اقتصاديا ؟
 ويجب الاعتراف هنا أن الجهات الدائنة تراقب رؤية أي نوع من الإصلاحات في الاقتصاد الأردني وهو ما لم يحدث كما كان مرغوباً ، لذلك نرى التردد واضح في تقديم المزيد من الدعم المالي الخارجي ، والضرورة الملحة تقتضي اليوم تحسين الوضع الاقتصادي والخروج من الأزمة الاقتصادية ، لأن الضغوطات المعيشية على المواطنين باتت كبيرة بسبب ارتفاع الأسعار وزيادة الضرائب، وثبات المداخيل ، مما يتطلب إعادة النظر بمجمل السياسات الاقتصادية وتوجيهها بالشكل الذي يساهم في رفع معدل النمو ، واحداث التنمية ، وتوفير فرص العمل ، للمساهمة باستقطاب الاستثمارات الاجنبية ، وتحسين الإيرادات المحلية ، وتسريع وتيرة عجلة التنمية في مختلف القطاعات الاقتصادية 
نعم قد يحدث تحسناً في تسجيل عدد الشركات والمؤسسات التجارية ونمو الصادرات وارتفاع الدخل السياحي ، إلا أن هذا التحسن لا زال متواضع جداً ولا يرتقي إلى حد التعامل مع الأزمة الاقتصادية ومواجهتها، خاصة الارتفاع الكبير في معدلات الفقر والبطالة والدين العام وتباطؤ النمو وهروب المستثمرين إلى الخارج ، واذ تبرز اهمية المسؤولية المشتركة لتكاتف القطاعين العام والخاص في ايجاد بيئة تشريعية جاذبة للاستمارات ورؤوس الاموال الاجنبية والمحلية 
 واقترح هنا عقد ملتقا وطنيا يشارك فيه كافة اطياف المجتمع المدني ، لمناقشة الأوضاع الاقتصادية الحالية بالتفصيل ، ودراسة السياسات الحكومية والقوانين الناظمة ، ، لمناقشة وتبني افضل الخيارات لمواجهة مسببات متاعب الاقتصاد الوطني وصولا لرسم خارطة طريق وبيان الإجراءات اللازمة لإنجاحها، سواء فيما يتعلق بالتشريع أو في مجال الإدارة التنفيذية والتعليمات والنظم، وكذلك فيما يتعلق بوقف الترهل والفساد الإداري والمالي في أجهزة الدولة ليصار الى تسريع وتيرة الإصلاحات الخجولة التي تتخذها الحكومات المتتالية ، ضبطا للإنفاق الحكومي ومكافحة للفساد وخلاصا من البيروقراطية التي ساهمت في تراجع الاستثمارات ، لتتجلى الرؤية المستقبلية الواعدة القائمة على استراتيجيات وطنية طموحة وشاملة قائمة على وضع الخطط الاقتصادية الوطنية المنتجة والمحفزة للتنمية المرجوة في كافة القطاعات الاقتصادية ،لنتذكر ثانية ان " الضربات القويّة تهشّم الزجاج ، لكنها تصقل الحديد".

الدكتور.غازي عبدالجيد الرقيبات
جامعة ال البيت