رائحة كريهة يا أمانة عمّان
جفرا نيوز - كتب مصطفى توفيق أبو رمّان
رائحة مفزعة.. تنز من ثقوب البيوت جميعها.. من دواوين الوزارات.. ومراسيم القرارات.. من بخار الغازات.. وعفن الاتفاقيات.. يااااا إلهي: من أين تأتي تلك الرائحة؟
رائحة فساد تنتشر في مختلف أرجاء المدينة، تلوّث وجه المساء وتجعل طعم الصباح من طعم الأسى. فساد في آليات التعيينات، في مستوى الأداء الوظيفي، وفي شكل الإخلاص خلال ساعات العمل، تلك الساعات التي تتحوّل عند كثير من الناس إلى عقوبة يقذفها الموظفون المتكبيون والميدانيون بوجوههم كما لو أنهم يحمّلونهم اضطرارهم للعمل هذه الساعات اللعينة، كما لو أنهم يرغبون أن يقبضوا آخر الشهر رواتبهم وهم يجلسون في بيوتهم أو يعملون في أعمالهم الخاصة.
هل حلّ موعد فتح ملفات أمانة عمّان؟ وما هي الجهة الحكومية الرسمية التي لا يوجد فيها ملفات فساد وملفات إهمال وملفات فوضى عارمة من رأس هرمها حتى أخمص قدميها؟
أما آن الأوان لننعم بظروف عيش وآليات إدارة أفضل وأكثر لياقة ولباقة معنا بوصفنا مواطنين نستحق العدل والإنصاف والاحترام والكرامة وفرص حياة كريمة؟
أمين عمّان يزور منطقة من مناطق العاصمة (لنقل ماركا الشمالية على سبيل المثال)، ولنقل إن هذه الزيارات شخصية تتعلق بواجب ما يقوم به لأنسبائه. لا يمر الأمر على خير وسلام وهدوء.
موظفو الأمانة الذين تعوّدوا أن العمل غير مقدس وهو مرتبط فقط بدواعي موجبة، كأن تأتيهم إخبارية أن (معالي) الأمين في طريقه لمنطقة عملهم، وإذا بهم سرعان ما يتراكضون مثل كائنات هائجة، يركلون هذا ويرفسون بسطة ذاك، بسطات تعودت أن يقبل أصحاب الشأن الوظيفي هناك أن تترك بحالها تتدبّر كفاف يوم أصحابها، وإذا بها تكتشف أن القبول ما هو سوى خدعة لا يمكن أن تتواصل في حال احتمالية مرور أصحاب المعالي وخصوصاً صاحب المعالي الأمين الذي يبدو أن النفاق الوظيفي يريد أن يحوّله إلى مانح رزق ووليّ نعمة والحاكم بأمر الله أو الاستبداد أو تحريك قطعان العباد.
هل يعقل هذا؟ ويا ليت الأمر توقف عند هذا الحد. مواطن (مسخم) مثل معظمنا هذه الأيام، إذ يبدو أن أصحاب الذوات قسّموا الوطن إلى قسميْن حادّيْن جارحيْن: قسم يريد أن يستأثر بكل شيء (كل شيء) بالمعنى الحرفيّ اللاأخلاقيّ الأنانيّ العدوانيّ للمفردة، وقسم آخر قد لا يرقى حتى لتوصيفه بـ(المسخم)!!!
أقول إن هذا المسخم كان بالمصادفة يلزم بسطته التي يأمل أن تجعله يعود إلى بيته وأفواه صغاره بالقليل القليل الذي لا يجعل عودته خالية الوفاض، طاردوه طيّروا بسطته في هواء الألم، اضطربت جوانحه انفطر قلبه ركض مشلوع الروح مكلوم الفؤاد، أصيب خلال ركضه بجلطة الهوان والأسى واليأس المقيم، سقط أرضاً موتاً كمداً حسرة.. سقط فوق رصيف الضياع..
مات خالد ريحان تاركاً وراءه أربعة أبناء وبنات واحداً منهم مصاب بالتوحد. مات نتيجة فوضى القرارات، وعشوائية التطبيقات، ولا عدالة التوافقات.
هل ترتبط نظافة منطقة ما وحسن متابعة أمورها بزيارة أمين عمّان؟
هل يرفع المتضرر من أي فوضى في منطقته أكفه بالدعاء أن يزور المنطقة أمين عمّان؟ وماذا لو مات بريء يا صاحب الدعاء بسبب الزيارة المشؤومة تلك؟؟؟
عامل وطن معه شهادة دبلوم، يقول بانكسار إنه راض بعمله، قابل بباب الرزق الذي فتحه الله عليه، وكل ما يتمناه على معاليه والمحيطين الملتصقين بمعاليه أن يُنقل بعيداً عن حارته فأولاده تختنق العبرة في مآقيهم وهم في طريقهم لمدارسهم، فالصغار لم يتجاوزوا بعد ثقافة العيب، وأنا شخصياً لا ألومهم، فالارتقاء فوق ثقافة العيب غير موجود إلا في الشعارات فقط وعناوين الصحف التي لا يقرأها أحد وعلى امتداد الشاشات التي لا يتابعها أحد.
فوضى في أمانة عمّان على صعيد توزيع المناصب، فوضى على صعيد طرق جمع حاويات النفايات، فوضى في متابعة الشوارع والأرصفة، فوضى في دوائر العمل وآليات توزيع العاملين بين مكتبيٍّ أو ميدانيّ.
رحل خالد ولن يتاح له أن يعرف أن مواطناً مثله آلمه ما حدث له.
رحل دون أن يعني رحيله شيئاً لمعظم الناس، ولا حتى لمن تسبب بوفاته المؤلمة المفجعة.
لا يختلف المشهد البائس لأمانة عمّان عن باقي المشهد الرسمي المحلي.
غياب الحساب وعدم وجود آليات حقيقية قوية على صعيد المحاسبة.
لا مساءلة على طريقة حارة كل من إيده إله. وكأني بالمثل الشعبي الفاقع (بيت الهاملين بخرب قبل بيت الظالمين) يتسلل لجادّات الشوارع ومنعطفات الطرق والخاصرة الجريحة لعاصمة القلب والمواعيد المؤجلة.
ثمة رائحة كريهة يا أمانة عمّان، ولا بد من وقفة مسؤولية كبرى أمام طريقة موت الفقيد الحزين خالد ريحان.