التعديلات الدستورية تفشل في احتواء المشهد الوطني والخلاف حول مزدوجي الجنسية
جفرا نيوز - دخلت تعديلات الدستور الاردني الجديدة حيز التنفيذ اعتبارا من نشرها في الجريدة الرسمية السبت الماضي واصبح التنفيذ ملزما للحكومة، في الوقت الذي برزت فورا فيه تعقيدات بيروقراطية وادارية تربك الجميع من قمة القرار الى قاع المجتمع.
ورغم ان رئيس الوزراء الاسبق المخضرم عبد الرؤوف الروابدة تحدث عن ضياع الفرحة بالتعديلات بسبب اخطاء ادارية وحكومية وبسبب 'تهور تشريعي' في بعض الاحيان تزامن مع التعديلات، الا ان اجواء الحراك الشارعي وسلسلة الاجتهادات الامنية لوزارة الداخلية في وزارة معروف البخيت دفعت الجميع لمعاينة الارتباك العام وطرح السؤال التالي: ماذا بعد؟
ومجرد طرح هذا السؤال، حسب عضو لجنة الحوار الوطني المحامي الناشط مبارك ابو يامين، تعني ان التعديلات الدستورية لم تحتو المشهد الوطني المتأزم، فابو يامين الرئيس السابق للجنة الشؤون الخارجية في البرلمان يسأل هل دخلنا بالحائط؟
قبل ذلك تقدم ابو يامين بمبادرة منظمة تجاهلها الجميع في مؤسسات القرار عندما اقترح ارجاء تعديلات الدستور ومناقشتها ببطء من قبل برلمان منتخب وفقا لقانون عصري يضمن النزاهة واصلاح تشريعات الانتخاب والاحزاب كخطوة اولى في الاصلاح السياسي.
وهذه المقترحات وغيرها لم يسمعها احد في مستوى صناعة القرار المليء حاليا بالاجرائيين والتنفيذيين مع تقلص واضح وكبير في حضور طبقة المفكرين السياسيين ورجال الدولة.
واليوم بعد التعديلات الدستورية ثمة اكثر من ازمة وفي اكثر من اتجاه، لكن اكثرها ارباكا، فيما يبدو تلك المتعلقة بالخلاف بين مرجعيات القانون والدستور على تفسيرات مستوى بعض البنود الجديدة في الدستور، فرئيس لجنة تشريع القانون في مجلس النواب عبد الكريم الدغمي يرى ان نصوص التعديلات لا تطبق بأثر رجعي، فيما خالفه علنا نظيره في مجلس الاعيان طاهر حكمت الذي طالب بالالتزام الفوري بنصوص التعديلات واسقط خيار الاثر الرجعي.
وابسط مثال على خلافات في مربع القرار والنظام حول توقيت تنفيذ الدستور الجديد هو ذلك المتعلق بمنع ولاية المواقع العامة لمزدوجي الجنسية، حيث اكتشف الرأي العام وحتى صناع القرار ان الكثير منهم موجود وبكثافة في كل طبقات الحكم والحكومة.
وحتى تثبت اهتمامها في الالتزام سبقت وزارة معروف البخيت الجميع بان اعلنت ان وزيرين فيها قررا التنازل عن جنسيتهما الاجنبية والاحتفاظ بالحقيبة الوزارية، الاول هو وزير الثقافة جريس سماوي الذي اكتسب الجنسية الامريكية من والدته عندما ولد ولا يدري ما اذا كانت فعالة كما صرح، والثاني وزير المياه محمد التجار الذي يبدو انه كان يحتفظ بجنسيته الروسية.
كما قدم عضوان في مجلس الاعيان الاردني الاربعاء استقالتيهما من عضوية المجلس تنفيذا لاحكام الدستور المعدلة التي تمنع حملة الجنسية المزدوجة من تولي مناصب وزارية وبرلمانية.
واعلن بيان صدر عن مجلس الاعيان ان العين سهير العلي والعين خالد الشريف قدما استقالتيهما لرئيس المجلس طاهر المصري متمسكين بجنسيتيهما الاجنبيتين.
وبذلك يرتفع عدد الاعضاء المستقيلين من مجلس الاعيان الى ثلاثة، حيث سبق للاقتصادي طلال ابو غزالة ان قدم استقالته من منصبه في وقت سابق لحمله جنسية اجنبية. يذكر ان عدد اعضاء مجلس الاعيان الاردني (60) اي نصف عدد اعضاء مجلس النواب.
وسبق للعلي ان شغلت عدة مناصب وزارية في الحكومات الاردنية، ابرزها وزيرة التخطيط والتعاون الدولي. اما الشريف فهو جراح عيون بارز في المملكة.
وتلزم المادة 75 من الدستور الاردني بعد تعديلها حملة الجنسيات الاخرى غير الاردنية من مجلسي الاعيان او النواب والوزراء بتصويب اوضاعهم او الاستقالة، بمنعها عضويتهم بهذه الحالة بالفقرة الاولى من المادة، واعتبارها العضوية ساقطة حكما في حال استمر حملهم للجنسية الاجنبية بالفقرة الثالثة من المادة.
لكن الخلاف اندلع في مؤسسة التشريع بخصوص مزدوجي الجنسية من المشرعين وعددهم لا يقل عن 20 عضوا في مجلسي الاعيان والنواب.. هؤلاء يطالبهم طاهر حكمت بالاستقالة او التنازل فورا عن جنسياتهم الاخرى فيما يفتي نظيره في المجلس النيابي بان هذا الخيار ليس اضطراريا لان نصوص التعديلات قد لا تطبق بأثر رجعي.
واذا استمر الخلاف فان جميع الاطراف ستضطر للجوء الى المجلس العالي لتفسير الدستور، وهي خطوة يدشن موسم التعديلات فيها بصورة غير محببة، لكن مؤشرات الدخول بالحائط عمليا لا تقف عند هذه الحدود، فالجميع لا زال يتذكر كيفية وظروف اقالة منصبين سياديين هما محافظ البنك المركزي ورئيس سلطة القضاء في مرحلة التعديلات الدستورية بقرار من رئيس الوزراء خلافا لروح التعديلات واجوائها والجميع ايضا يتذكر وصفة التهور التشريعي بالتزامن مع تعديلات يفترض انها اصلاحية عندما حاولت الحكومة فرض تشريع سمته الصحافة باسم قانون 'تحصين الفساد'.
بالطبع الجميع يتذكر بالتوازي كيف احاط الامن بمقر البنك المركزي لاجبار محافظه على الاستقالة في مرحلة التعديلات الدستورية، ويتذكر ايضا كيف تكرس سلطات محلية في الاطراف سياسة الاستعانة بالبلطجة ضد ناشطي الحراك السياسي.
كل تلك مظاهر اضاعت عمليا فرحة تعديلات الدستور وقلصت من تأثيرها بين الناس، رغم حصول تحولات مهمة ْعلى مستوى النصوص وبسبب هذه المؤشرات ارتفع شعار اسقاط الترقيعات الدستورية وارتفع سقف الخطابات في الشارع، واعلن الاسلاميون مقاطعتهم للانتخابات البلدية ومعهم لجان محلية في عدة محافظات ركبت موجة المقاطعة ونظمت مهرجانات لاول مرة ضد النظام وليس الحكومة كما حصل في منطقة اللبن قبل يومين.
وازدادت شراسة التعبيرات المتطرفة ضد مؤسسات الحكم تحديدا بعدما هدد وزير الداخلية مازن الساكت الحراك ورموزه بمحاكمات مؤججا المشاعر العامة عندما وصف بعض هتافات الحراك بانها 'بلطجة' من دون ان يقوم من موقعه باي اجراء حقيقي ضد البلطجية الذين ساهموا في تأجيج الشارع.
كل ذلك حصل بعد اقرار تعديلات دستورية كان يفترض ان تحتوي مشهد الحراك بكل تفاصيله مما تسبب باعادة انتاج السؤال: هل دخلنا بالحائط؟... هذا السؤال لم يعد طرحه مقتصرا على ابو يامين، بل يتبناه عشرات من الشخصيات الوطنية ومن اهم نخب النظام.