قطاع السياحة .. ناصر قعوار الأنموذج
جفرا نيوز- فايز الفايز
عاش العالم خلال اسبوع مضى احتفاله بمناسبة اليوم العالمي للسياحة ، وافتتح مؤتمرا له في العقبة ، على أساس إنها قبلة السياحة الوطنية ، وهذا مع صحته فهناك وصف أدق لها وهي أنها إحدى الوجهات السياحية البحرية في الأردن ، وهناك معالم ومناطق سياحية كثيرة جدا في وطننا تحتاجنا لدعمها ، عانت دائما من سوء التسويق والترويج الرسمي، خاصة السياحة الداخلية ، حتى غُلقت الأبواب في وجوه العائلات الأردنية لزيارتها والاستمتاع بأجواءها نظرا للتكلفة العالية جدا ، مقابل الخصومات التي تنعم بها الأفواج السياحية الخارجية ، أو ما يجده المواطن الأردني من عروض للسياحة في الدول العربية السياحية ، وكل هذا يعود لسوء الإدارة السياحية وسوء التخطيط والتنفيذ والرقابة الرسمية لوزراء السياحة ، بسبب تولي المناصب الوزارية والرسمية لأشخاص لا علاقة لهم بالقطاع السياحي على الإطلاق ، ولا حتى في المنطق والملافظ ، ولا في الديناميكية الفكرية والشخصية ، فضلا عن تغول بعض المنشآت وارتفاع أسعارها غير المبرر .
وإن سلمنّا بالأمور كما هي عادتنا دائما ، فلنا في موسم الصيف الذي رحل عبرة ، فلم يكن لنا نصيب من استقطاب الأفواج السياحية التي عدلت عن السفر الى مصر وشواطئها ، أو سوريا وربوعها ، نظرا للظروف الأمنية التي تمرّ بها ، وسبب ذلك عجزّ وزراء السياحة ومن في مقامهم عن القيام بمهامهم ، وعلينا أن لا نلومهم ، بل نلوم الفطاحلة الذين اختاروهم ، فخلال نصف العام الماضي تكالب على مقعد وزارة السياحة ثلاثة وزراء جاءت بهم العلاقة الشخصية أو المحاصصة السياسية ، دون النظر الى المصلحة العليا للدولة أو على الأقل لمصلحة القطاع السياحي والاقتصادي عموما .
فأن يأتي صاحب مطعم وزيرا ، أو تأتي سيدة فقط لأنها عملت في القطاع الخاص مديرة لدائرة تسويق لشركة كبرى ، أو أن تخلفها سيدة ليس لها أدنى خبرة ولا علاقة في القطاع السياحي ، ثم يريد الجميع أن يحيل مكتبه الى مكتب وزير داخلية لدولة عسكرية ، فتلك المصيبة التاريخية للمنظومة السياسية والإدارية الأردنية ، التي لا تريد أن ترى ، إلا ما يرضي غرورها فقط ، فوزراء السياحة الذي جاءت بهم الرياح رحلت بهم العواصف ، وأبرز بصماتهم ، تعطيل عمل الوزارة واستهدافهم للأمناء العامين ، وأي موظف أو موظفة شريف يريد أن يطبق السياسة والاستراتيجية المرسومة ويحافظ على ديمومة القطاع دون محسوبيات ولا حساب لصداقات ، ونسي جماعتنا أن هناك فرق كبير ما بين السياحة والسرّاحة ، مع أن راعي الأغنام يمتلك سياسة خاصة في تربية القطيع وحسن التعامل مع أغنامه ، ويجتهد متعبا لتوفير الغذاء والماء والعلاج لنعجاته ، وقطيعه يشكل جزءا من قطاع المواشي والزراعة ، ثم يعاني من الإهمال والاحتقار الرسمي له .
هنا وكلما أثير موضوع السياحة أتذكر عمنا الفاضل " ناصر قعوار " أحد رواد ومؤسسي قطاع السياحة في الاردن حينما استضافنا في إحدى السنين وحدثني كيف اخترق السوق الأوروبي قادما من الفحيص ، وكيف " فتح النمسا " وحصل على وكالة الخطوط النمساوية وجاء بها الى عمان ، كان هذا عام 1965 ، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم ، وشركته " بترا للسياحة والسفر " تحتل المرتبة الأولى في عالم السياحة الأردنية وتنافس عربيا وعالميا حتى أصبحت شركته وكيلا لأكثر من سبعة خطوط طيران عالمي ، واستطاع خلال ذلك العمر العامر بالإنجاز والإنتماء من رفد السياحة الداخلية الأردنية بملايين الأفواج السياحية القادمة لوطننا ، وهو يعمل كالساعة الإلكترونية دون ضجيج ولا بهرجة كاذبة ، وكرمته دول كثيرة بأوسمة الشرف لجهوده ، قبل أن يمنح أخيرا على وسام الحسين للعطاء المتميز .
قد يسأل سائل لماذا قعوار تحديدا ، والجواب سهل جدا ، لأنه شيخ أردني منتم لوطنه وأمته لا بالسياسة الخادعة ولكن بفطرته الطيبة ، ولنظرته منذ بدايات الستينات حينما كان الأردن ينام بين عاد ٍ وعدو خائفا ممن يتربصونه ، كان قعوار مدركا لصعوبة أن يكون للأردن بوابة على العالم الخارجي دون وجود خطوط طيران مباشر الى مطار عمان ، والأصعب أن تروج الأردن سياحيا ، دون وجود فنادق لاستقبال الزائرين لها ، فكيف نروج للبحر الميت دون توفير البيئة المناسبة ،
لذلك شرع الرجل في منتصف الثمانينات ببناء فندق البحر الميت العلاجي ، في ظل ظروف بائسة ومحبطة جدا ، فلا طرق ولا ماء ولا كهرباء ، حتى أصبح فندق البحر الميت اليوم ينافس سلسلة الفنادق الكبرى في الأردن ، وهو الوحيد اليوم على شاطىء البحر الميت الذي يستطيع أي مواطن أن يدخله وعائلته دون التفكير في غلاء أسعار الفنادق والشواطىء والمنتجعات التجارية التي احتلت الشاطىء أو تربعت على أرض العقبة ، حتى حُرم المواطن الأردني من الاستمتاع بشاطىء يلبي احترامه الشخصي ، لأن الأردنيين ببساطة لا يستطيعون فعلا تحمل تكاليف التنزه مع هذا الغلاء والاستغلال الفاحش للفنادق العالمية ، ثم شارك في بناء فندقين آخرين في البتراء والعقبة يخدمان المواطن الأردني والسائح الأجنبي على حد سواء ويوفران مئات فرص العمل للأردنيين فقط .
وعودا على السياسة والسياحة ، فما يدعوني شخصيا للإفتخار برجالاتنا هؤلاء ، أنهم قدموا واجباتهم على حقوقهم ، وقدموا للوطن كثيرا ولم ينعتوه بأبشع الصور حتى لو ظُلموا كما هم البعض ، لذلك ففي خضم أزمة الثورة المصرية قامت إسرائيل باستغلال تلك الظروف والترويج للسياحة الآمنة في أرض فلسطين المغتصبة ، ولأن السائح الأجنبي لا يعرف الفرق بين الأردن ومصر أو سوريا ، فقد قام أخي وصديقي " وائل ناصر قعوار وأشقاءه " بدعم فيلم قصير عن السياحة في الأردن يتحدث فيه السائحون من مختلف الجنسيات بلغاتهم عن الأجواء الآمنة وسحر الأماكن السياحية في الأردن ، وتم بث هذا الفيلم عبر موقع " يوتيوب " ، وأرسلت روابطه الى وزارات الخارجية والسياحة في معظم أوروبا وأسيا وأمريكا ، وقد وصلني الرابط لتلك الأفلام ، وأرسلتها لقائمة طويلة جدا خارج الأردن .
هذا حدث في الوقت الذي كان فيه صاحب المطعم وزيرا يبحث عن دعم لقطاع المطاعم السياحية ، وأيمن الصفدي وزيرا يؤجج الشارع ويتحدى القوى السياسية بتصريحاته البائسة البوهيمية ، وفي ذلك الوقت يرفض من أنتج " صناعة السياحة " في الأردن المنصب الرسمي ، لأن الحكومة لا تخدم الشارع الأردني ولا النظام السياسي الشامل .
كتبت اليوم بقدر ما أعرف عن قطاع السياحة ، لأن وزارة السياحة تحتاج الى رجالات أمثال هؤلاء ليتسلموها ، والسبب الآخر لكثرة الشكاوى التي تردني من العاملين في القطاع ، ومن شباب يعملون في قطاع الوكالات السياحية ، والجميع يتذكرون وزيرا للسياحة مذكورا بالشكر لذكراه ولا أتذكره هو " غالب بركات " أو "عقل بلتاجي " ، قبل أن تهتم الحكومات بقطاع " الملاهي الليلية " على اعتبار انها منشآت سياحية ، وهي ليست سوى مواخير رذيلة تسوق للباحثين عن السياحة الجنسية ، وقد شوهت صورة الأردن الجميلة .
علينا أن نبجلّ تلك القامات الرفيعة من أبناء الرعيل الشريف الصادق المتفاني في خدمة الوطن ، وهم كثيرون في وطننا ، ولكن الحسابات السياسية دمرت الحق والحقوق تماما وحرمت القطاعات من أن يتولاها شخصيات محترمة ، تعرف كيف تغير وجه القطاع ، وتدعمه وتجعل من الأردن أنموذجا وقبلة للمستثمرين الشرفاء ، لا الفاسدين لقطاء المال ، وبدل دعم الشركات الأجنبية ومنشآتها فلندعم منشآتنا الوطنية التي لا تجد الدعم الحكومي ، بل تعاني من الصدّ والمعيقات في توفير دعم ضريبي أو كهربائي أو مائي ، حتى وسائط النقل يتحكم بها المزاج الشخصي ، ولو توفرت لخفضت أسعار الفنادق والسياحة على المواطن الأردني ، على ما أتوقع ، وهذا كله يدعونا لاستحضار الشخصية الأردنية المخلصة ، لا ان يكون مثالنا أي أبله أرعن أو عاجز لا يقوى على شيء .