هل يرأس "دون كيشوت" الحكومة ؟ وقرار مرجعي ضد الحكومة بالافق يبدأ أثره بانتهاء مؤتمر لندن..
جفرا نيوز - فرح مرقه:
شرّع رئيس الوزراء الدكتور عمر الرزاز صدره للمحاسبة والمساءلة في مجلس النواب عن التعيينات المثيرة للجدل، رغم معرفته على الأغلب أن تسريب التعيينات بهذه الصورة ليس إلا "فركة أذن” وفق المتعارف عليه والمألوف في كواليس مراكز القوى الأردنية.
الإشارات واضحة، ليلة وضحاها كان فيها تعيين أربعة مناصب قد أصبح حديث الشارع، وإثره جلدت وسائل الإعلام رئيس الحكومة، وفي الأثناء وصل الملك عبد الله الثاني، ليوبّخ الوزراء في ذات الاتجاه. ما حصل بالضرورة، وفق المراقبين، لا يكون عن طريق الصدفة.
الدكتور الرزاز، وفي الجلسة الرقابية بمجلس النواب- الذي هو جزء من المشكلة بالأساس- لم يتحلَّ فقط بالشجاعة، وخلافاً لما تحمِله الانطباعات عنه، بل وانتهز الفرصة ليضع إصبعه على جرح عميق متأصل في صميم عمل مؤسسات الدولة الأردنية، وعلى الأغلب يبدأ بمأسسة معالجته في الطريق إلى "عشّ دبابير جديد”.
تحمل الرئيس المسؤولية، تميّز بالتمهيد لواحدةٍ من أهم الخطوات المقبلة، وهي تلك المتعلقة بإعادة إنتاج آليات التعيين في الدولة، بالتزامن مع التأشير على المخطئين الذين تتقدمهم لجنة اختيار الموظفين بالمناصب القيادية في مجلس الوزراء والتي يقودها المحافظ القديم الدكتور رجائي المعشر. التأشير والإعلان عن إجراءات التعيين المقبلة لا يكفيان بالضرورة، فالرئيس مطالب اليوم بمحاسبة من "أساء استخدام المسؤولية”، إلى جانب تقديم "كشف حساب” للجميع، وبالإضافة للعودة عن التعيينات، يطالبه الشارع بالتعجيل بالملفات التي جرت عرقلتها خلال الستة أشهر الأولى من عمر الحكومة.
المقربون من الرزاز يؤكدون أن الرجل لم تكن لديه أي فكرة عن معظم التعيينات وخلفياتها، الا ان ذلك، وكما يعلم هو شخصيا لن يعفيه من المسؤولية امام الشارع الذي يتحفز بالضرورة للنزول للشارع (اليوم) الخميس وبهتافات على الأغلب ستحمل الحادثة وتداعياتها.
في حادثةٍ كالمذكورة، وبما لا شك فيه، يمكن التأشير على كافة إشكالات المؤسسية في الدولة الأردنية، حيث تزاوج معظم السلطات رغم أنف ما ينص عليه الدستور من فصلها، بالإضافة لتأكيد جديد على "نقص أهلية وكفاءة” النواب في تمثيل الشارع، ناهيك عن تفشّي المحسوبية والاختلالات في التعامل مع أصحاب الكفاءات، وإساءةاستخدام السلطة بالمقابل من جانب معظم من يمسكونها في البلاد.
قصر الحديث على المؤسسات الأربع (شركة تطوير العقبة، المناطق التنموية والحرة، شركة ادارة المساهمات الحكومية ومعهد الادارة العامة) التي تم تعيين أربع من إخوة النواب على رأسها، لا يتميز بالإنصاف، فغالبية المواقع في المؤسسات الأردنية تم شغلها بذات الطريقة ومن نجا منها ليست المؤسسات التي تم اختيار رئيسها بمعيار الكفاءة، فهي غير موجودة على الأغلب، وانما من اختير لها رئيس صادف أن كان لديه كفاءة حين تم تعيينه بذات الطريقة.
طبعاً في هذا السياق، لا ينجو رئيس الحكومة ذاته من طريقة التعيين الهوائية العشوائية ذاتها، فالدكتور الرزاز، حتى اليوم يعاني من فريقٍ تم تجميعه وفق حسابات على الأغلب لم تمرّ من أي معيار كفاءة وهذا ما ينعكس على أداء الفريق لو تم عزله عن أداء الرئيس المهذّب والاقتصادي.
بهذه الصورة، يمكن أن يبصم الأردن بشوارعه وحراكه ومسؤوليه- وان على مضض- بأن الرزاز يقود وفق توصيفه الذي بات خالداً "طائرة خربانة”، ويعمل على إصلاح وتبديل كل ما يتعطّل فجأة أو ينفجر بوجهه على أمل أن يجد نفسه يوماً ما قد استبدل كل القطع التالفة والمفاصل المضروبة، رغم كل التحفظات على إصراره على العلاج بردود الأفعال أكثر من المبادرة، وبكثير من البطء.
طريقة الرزاز، تزيد إرباك بقية المؤسسات ومراكز القوى في البلاد، والتي باتت تدرك أن الرجل المهادن الهادئ قد يكون مركّزاً عمله وفقاً لرؤية لا يراها الآخرون. بالأثناء، لا تخفي المؤسسات الدولية إعجابها بالرجل، الذي استطاع أن يبدأ خطوات ثابتة مع صندوق النقد والبنك الدوليين، كما رسّخ بدعمٍ ملكي علاقات براغماتية مع العراق وتركيا، بالإضافة لمعالجةٍ منطقية في ملف محاربة الفساد.
في الجانب الأخير تحديداً، أي محاربة الفساد، يصرّ مقربون من الرئيس أن الرزاز قد انتقل من مقارعة الحيتان، لمقارعة طواحين الهواء على الطريقة الـ "دون كيشوتية”، كون الرجل نفسه، وكما ثبت من ملف التعيينات الأخير، محاطٌ تماماً- بحكم موقعه- بحيتان قادرين على تسميم الأجواء التي يحاول خلقها، تارةً بالمألوف والمعروف من أساليب لا تتماشى وقناعات الرزاز، وأخرى بما لم يتوقعه.
بالمقابل، يدرك الرئيس أن الأردن اليوم في أكثر مرحلة مؤهلة لمحاربة الفساد، وأن المجتمع الدولي ككل بات يطلب منه ومن جيرانه المزيد من الشفافية والجرأة في هذا الملف، ليصل لما يصبو إليه من مؤتمر لندن المقبل خلال أسبوعين (28 شباط). كل ما سبق يعزّز دور الرزاز وخطّته، وإن كان هناك إجماعٌ على أن ذلك سيظل ينطوي على خطورةٍ واسعة طالما الرئيس يتحرك بنعومة وبطء من جهة وطالما هو محاط بذات التركيبة من الوزراء مقابل شدّ عكسي في الملف من الدولة العميقة.
بكل الأحوال، كل ما حصل خلال الأسبوع مع الرئيس الذي لا يزال يتمتع بمنسوب من المصداقية مشهد تابعه الأردنيون، ولكن ما عليهم مراقبته ومتابعته سيكون التعامل الأمني والإعلامي والرسمي الليلة (الخميس الجمعة) مع الحراك المحلي، الذي يحمل منذ أسابيع شعارات ذات سقف عالٍ يتوقع لها مراقبون ان تحظى ولمرة فريدة بزخمٍ رسمي وبانفتاحٍ إعلامي وأمني، كتمهيدٍ لمرحلة إزاحة الرزاز ووفق قرارٍ لا يملكه الحراك هذه المرة.
إزاحة الرجل حتى اللحظة تنتظر عبوره مؤتمر لندن، وحتى اليوم معه بالضرورة الغطاء المرجعي اللازم لإبقائه ولكن ليس لتقويته.