ليس دفاعا عن عبد الهادي المجالي
جفرا نيوز - كتب الدكتور حسين عمر توقه
لم أكن لأتصور في يوم من الأيام بأن هذا الشعب الأردني الطيب ذو النخوة والرجولة والإنتماء يضم في جنباته بعض الذين يجهولون رمزيته..
قبل أيام وبمناسبة العيد الوطني لجمهورية الهند تلقيت رسالة من صديق هندي وعلى رأس الصفحة صورة العلم الهندي مخطوط تحتها " أنا أحيي أمتي وأحيي وطني وأنا فخور بأنني هندي "
إنني لم أعتد في يوم من الأيام أن أنافق لأحد وكنتُ أتجنب الكتابة عن أحد وأرجو أن أوضح بأنني حين أكتب عن عبد الهادي المجالي فإنني أكتب عن مبدأ وعن تجربة وعن ذكريات كلها مجبولة بوقائع وحقائق.
ولا أدري كيف يتخلى بعض الناس عن إنسانيتهم وبدل الإطمئنان على صحة عبد الهادي المجالي أخذ هذا النفر يتساءل عمن يقوم بتسديد فاتورة المستشفى ومن سيدفع الحساب .
إن عبد الهادي المجالي بصفته رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة وبصفته مدير الأمن العام مؤمن تأميناً صحيا لدى الخدمات الطبية الملكية.
إن عبد الهادي المجالي بصفته سفيراً سابقاً في وزارة الخارجية الأردنية وبصفته وزيراً للأشغال العامة وبصفته نائباً ورئيساً لمجلس النواب لتسع دورات برلمانية وبصفته رئيساً للبرلمان العربي لعامين متتاليين هو مؤمن تأميناً صحيا شاملاً من قبل حكومة المملكة الأردنية الهاشمية.
ونظرا لعلاقته المخلصة المتميزة بجلالة الملك الراحل الحسين الإنسان رحمه الله وخدمته الطويلة المخلصة للعرش الهاشمي فهو مؤمن تأمينا شاملا على حساب الديوان الملكي
ولو عدنا الى المئات بل الآلاف الذين تمت معالجتهم خارج الوطن في أرقى مستشفيات العالم بدءا بالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا لاتضح لنا بأن نسبة عالية من الذين تمت معالجتهم لا يمتون بصلة الى الحكومة بل لم يقدموا أي خدمة وطنية تُحسب لا من قريب أو بعيد على الوطن.
وأنا أقول بأعلى صوت أنه تمت معالجة رؤساء أركان سابقين ومدراء أمن عام سابقين ورؤساء وزراء ووزراء سابقين وامتدت القائمة لتشمل شعراء وصحفيين وفنانين ونواب ولقد شمل الديوان الملكي الكثير الكثير من أطياف الشعب كلهم تمت معالجتهم في نبراسكا وتكساس وفي لندن وباريس وفي إسرائيل .
فما هو العجيب الغريب أن تقوم الحكومة الأردنية بدفع نفقات العلاج لأحد الوزراء السابقين أو لأحد رؤساء الأركان السابقين أو لأحد مدراء الأمن العام السابقين الذي أمضى أكثر من خمسة وخمسين عاما في خدمة الملك الراحل الحسين رحمه الله وفي خدمة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله وفي خدمة النظام.. وأنا والله العظيم كلي حرج وخجل حتى من مناقشة مثل هذا الموضوع فهو أولا لأنه موضوع شخصي بحت وثانيا لأن الغربان كان الأولى بهم أن يبحثوا عن موضوع آخر ومكان آخر لبث سمومهم . وثالثا لأنني أريد سرد بعض القصص التي تربطني بمعالي السيد عبد الهادي المجالي والذي أدعو له بالشفاء والحمد لله أنه ليس معوزاً ولا محوجاً يبحث عمن يسدد له فاتورة العلاج ولكنني كما قلت القضية قضية مبدأ ويتوجب على الحكومة الأردنية أن تتولى مسؤوليتها القانونية والأخلاقية والأدبية في تغطية نفقات علاج معالي السيد عبد الهادي المجالي .
والقصص التي أود أن أقصها عليكم هي عبارة عن توثيق لمراحل زمنية مر بها هذا الوطن الغالي. وتنعكس من خلالها غيرة هذا الرجل على وطنه
صلاح أبو زيد في القاهرة:
في عام 1970 بعد انتهاء أحداث أيلول تعرض الأردن الى موجة من الإعتداءات على السفراء الأردنين وتعرض رئيس الوزراء وصفي التل الى الإغتيال في القاهرة وجرت محاولات لإختطاف بعض الطائرات الأردنية باءت بحمد الله بالفشل وفي عام 1972 تم تعيين معالي السيد صلاح أبو زيد وزيرا للخارجية الأردنية وقد تزايدت نشاطات جامعة الدول العربية وتمثلت الإجتماعات في وزراء الخارجية العرب ورؤساء الأركان العرب. وفي تلك الفترة الزمنية كنت الضابط المسؤول عن أمن وسلامة معالي السيد صلاح أبو زيد والوفد المرافق له . ولقد توجهنا في تلك المرحلة الدقيقة لحضور اجتماعات وزراء الخارجية العرب الى القاهرة. وكان من ضمن الوفد العسكري عبد الهادي المجالي وغازي عربيات وأحمد جويبر ومن الأسرار التي لا أريد الكشف عنها أنه كان قد تم إعداد خطة لإغتيال صلاح أبو زيد في فندق الماريوت في القاهرة على يد مجموعة قادمة من ليبيا ومن بينهم أحد الأردنيين. وفي صبيحة الإجتماع بعد قيام أمين عام جامعة الدول العربية السيد محمود رياض بالترحيب بالوزراء المشاركين والإعلان عن بدء جلسات مؤتمر وزراء الخارجية العرب وبعد قيام معالي وزير خارجية مصر الدكتور محمد حسن الزيات بالترحيب بالوفود العربية . قام كل من وزراء السودان وليبيا وتونس وسوريا وممثل منظمة التحرير الفلسطينية بشن هجمة قاسية غير مسبوقة على الوفد الأردني . كنت في تلك اللحظات أرقب وجه معالي السيد صلاح أبو زيد وكأنه قطعة من حجر الغرانيت لا وجود فيه لأي تعبير بينما كان السفير الأردني السيد كمال الحمود رحمه الله رغم دماثته وطيب محتده إلا أن الإنفعال كان يخيم على تعابير وجهه وفي بعض الأحيان كنت أشعر أنه يكاد ينفجر. وفي فترة الإستراحة كان أعضاء السفارة الأردنية تخيم عليهم المرارة والألم لا يصدقون ما سمعوا في جلسة الإفتتاح وأذكر منهم الأخوة خالد المدادحة والأخ سامي قمو والأخ شاهر باك والأخ منصور النابلسي . وعدنا الى الجلسة الثانية وتزايدت حدة التهجم على الأردن رغم محاولات معالي السيد عمر السقاف وزير الخارجية السعودية في التخفيف من حدة المشاعر . وظل وجه صلاح أبو زيد بلا تعبير . كنت أرقب ردود فعل الوفد العسكري ولمست الضيق على وجوههم وفي فترة الغذاء طلب مني بعض أعضاء الوفد العسكري أن أطلب من معالي السيد صلاح أبو زيد أن يرد على تهجم الوزراء العرب . كلهم كانوا متحمسين متأثرين بل لقد قال لي أحدهم إن لم يقم صلاح أبو زيد بالرد عليهم فسوف يقوم هو بالرد عليهم . الشخص الوحيد الذي كان يبتسم وكان هادئا هو عبد الهادي المجالي .
وفي المساء كنت منشغلا مع ضباط الإرتباط المصري نستمع الى أقوال الشخص الأردني الذي تم تجنيده من قبل النظام الليبي . وهو يشرح لنا مخطط اغتيال السيد صلاح أبو زيد من قبل المجموعة القادمة من ليبيا.
وأثناء تناول العشاء على شرف الوفود العربية شاءت الصدف أن أكون جالسا بالقرب من السيد عبد الهادي المجالي ولقد سألني هل أخبرت معالي السيد صلاح أبو زيد بما طلبه بقية الضباط فأخبرته أنني كنت مشغولا بأمر محاولة الإغتيال طوال الوقت وأطلعته على آخر التفاصيل . وقال لي والبسمة في عينيه لا تخبره بشيء ولما رأى الإستغراب في عيني أخبرني بأننا جميعا سنفاجأ بما سيحدث في صبيحة اليوم التالي وأن سكوت صلاح أبو زيد إنما هو السكون الذي يسبق العاصفة وقال لي إنه يعتبر نفسه أحد أفراد فريق الحماية وإنه مستعد للوقوف بجانب الحرس لحراسة رئيس وأعضاء الوفد الأردني بل وعرض أن يرافقني في صباح اليوم التالي في المسير باتجاه مقر جامعة الدول العربية. وطلب مني ألا أتردد في الإتصال به
وبعد انتهاء حفل العشاء توجهنا الى الجناح الخاص بالوزير وقمت بإطلاع معاليه على مجريات التحقيق وكيف أن المخطط كان يهدف الى إطلاق النار عليه صبيحة اليوم التالي حال خروجنا من المصعد في ردهة الفندق.
وكان الجناح مكونا من غرفتي نوم الغرفة الرئيسية وغرفة ملحقة وبينهما صالة جلوس وفيها مكتب صغير . وفي الساعة الثالثة والنصف صباحا طرق باب غرفتي صلاح أبو زيد وأخبرني أن الحبر قد نفذ من قلمه وأعرته قلمي للكتابة وبزغ الفجر والرجل جالس يكتب لم تغمض له عين ...
وفي صبيحة اليوم التالي توجهنا الى قاعة الإجتماعات عبر دهليز كان يربط فندق الماريوت بمبنى جامعة الدول العربية. كان صلاح أبو زيد يبتسم بل يكاد يضحك وهويلقي بالتحية على أعضاء الوفد وبالذات على أعضاء الوفد العسكري كان كله تحدي. تحدي لوزراء الخارجية العرب وتحدي رجولي لمحاولة الإغتيال . كنتُ أريد أن أخبرهم أن الوزير قد أمضى الليل ساهرا وهو يعد خطابه ولكن الظروف لم تسنح لي بذلك ولكنني حين نظرت باتجاه عبد الهادي المجالي شعرت بأنه يعرف تماما ما حدث.
وبعد الترحيب والإعلان عن بدء الجلسة رفع السيد صلاح أبو زيد يده يطلب أن يكون أول المتحدثين وقام عمر السقاف وتحدث مع محمود رياض وانضم اليهما الدكتور محمد حسن الزيات وتوجهوا جميعا الى مقعد صلاح أبو زيد راجين منه الأ يلقي كلمته ولكنه أصر على أن يكون أول المتحدثين ورفعت الجلسة وحاول المجتمعون ثني صلاح أبو زيد عن إلقاء كلمته ولكنه أصر. وبدأت الجلسة وكان صوت صلاح أبو زيد يهدر في قاعة الإجتماعات وهو يردد أما أنتم يا أصحاب الطبول ...... وختم كلمته وهو يقول " إن دم قطرة شهيد من بلدي تساوي كل أموالكم مجتمعة ". وضجت القاعة بالتصفيق والهتاف ورأيت البسمة والشعور بالفخر ترتسم على محيا الوفد الأردني وأعضاء السفارة الأردنية.
المؤتمر الإستراتيجي العربي الثاني:
إن شخصا يملك الفكر والتخطيط لتأسيس حزبين الأول حزب العهد والثاني الحزب الوطني الدستوري في بلد لا يؤمن بطبيعته بالأحزاب وأن يؤكد بأن هذين الحزبين هما أردنيان في الصميم في الفكر وفي الأهداف ولا داعي هنا الى الخوض فيمن تحمل معظم نفقات تأسيس هذين الحزبين.
إن شخصا ترقى في القوات المسلحة حتى بلغ منصب رئيس هيئة الأركان ورجلا عمل سفيرا وممثلا لجلالة الملك في واشنطن العاصمة الأمريكية ومن ثم العودة الى الحياة العسكرية ليتولى منصب مدير الأمن العام وأود أن أتناول هنا تلك الفترة الزمنية بالذات . كنت في حينها باحثا في مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية وكان عبد الهادي المجالي أحد أعضاء مجلس الأمناء ولقد شهدت تلك الفترة اهتماما كبيرا في مواضيع الأمن القومي والدراسات الإستراتيجية وتم توقيع اتفاقات مع أعداد كبيرة من المراكز الإستراتيجية في العالم وتم التحضير لمؤتمرات على أعلى المستويات من أصحاب القرار والفكر. في تلك الأثناء كان مركز الدراسات السياسية وا لإستراتيجية بمؤسسةالأهرام من أعرق المراكز الإستراتيجية العربية وأكثرها غزارة وإنتاجا وكانت تربطني علاقة ممتازة مع الأستاذ سيد ياسين مدير المركز وفي إحدى الجلسات طرح عبد الهادي المجالي فكرة التعاون مع مركز الأهرام ودراسة إمكانية عقد مؤتمرات على المستوى العربي وبالفعل تم عقد عدد من الإجتماعات برعاية دولة السيد عبد السلام المجالي والذي كان يشغل في ذلك الوقت منصب رئيس الجامعة الأردنية ولقد انبثق عن هذه الإجتماعات البدء بالتحضير لمؤتمرات دورية تحت عنوان المؤتمر الإستراتيجي العربي . وتم عقد المؤتمر الإستراتيجي الأول في عمان في شهر أيلول 1987 تحت رعاية سمو الأمير الحسن بن طلال ولي العهد في ذلك الوقت . وعلى مدار ثلاثة أيام من 8الى 10 /1/1989 شهدت القاهرة حدثا بارزاً على صعيد الفكر الإستراتيجي العربي حيث تم عقد المؤتمر الإستراتيجي العربي الثاني بالإشتراك بين كل من مركز الدراسات الإستراتيجية بمؤسسة الأهرام ومركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية. ولقد قام الفريق أول الركن المهندس عبد الهادي المجالي مدير الأمن العام الأردني بتقديم ورقة بحث تحت عنوان " المواجهة العربية الإسرائيلية " والتي عقب عليها كل من اللواء المرحوم خالد هجهوج واللواء حسن البدري ولقد استقبلت هذه الورقة بالمديح ليس بين الحضور بل وفي كل الصحافة المصرية. وكان من ضمن أعضاء الوفد المشارك من الجانب العسكري الفريق المتقاعد بسام قاقيش واللواء المتقاعد خالد هجهوج واللواء الركن ذيب سليمان والعميد الركن الطيار " في ذلك الوقت " عوني بلال قاسم رحمه الله والعقيد الركن عماد معايعة .
إن السبب في ذكر هذه الوقائع ليس التأكيد على دور هذا الرجل لما قام به في شتى المواقع ولكن للتأكيد بأنه كان مخلصا للنظام لم يتبدل ولم يتغير في أي موقع استلمه وأنا أعرف كم كان عبد الهادي المجالي يحب ويحترم الملك الإنسان الراحل الحسين بن طلال رحمه الله. وكم كان بالمقابل يحترم الملك الراحل كل عائلة المجالي بدءا بالمرحوم المشير حابس المجالي.