خالد الكركي يكتب : وطن خارج زمن النفط !
جفرا نيوز - تبدأ " جفرا نيوز " بنشر مقالات رئيس الديوان الملكي د.خالد الكركي التي يتضمنها كتاب " اوراق عربية " ونبدأها بمقال " وطن خارج زمن النفط "
"سنغلق نافذة الوهم هذا المساء
ونفتح بوابة الحلم يا وطني للزمان الجديد "
يا نجم هذا العمر تعبر في المدى العربي لا قيد يرد الروح , تأتي الينا منتخيا فنمتطي صهوة التحدي ونكتب أسئلتك الصعبة ونكتب اسئلتك الصعبة بهدب العين , ونبدأ السرى الى هواك في هذه الدروب الممتدة بين مادبا وعمان , وبين اربد والكرك وبين المفرق والبحر . نبدأ السرى فيك وأنت تضيء ليل العمر وتقنع حجارة الجبال ان تسكن في عاصمتك الجميلة , وتعلن في بني قومك الذين يتناثرون في كل فج سحيق ان خطر الصهاينة ما يزال قائما وتصغي الى نداء طفل من فلسطين كان يضيء شمعته الخامسة حين هوى برصاص العنصريين فتتذكر وصية ابي ايوب الانصاري امام اسوار القسطنطينية فتحمله وتوغل به في ارض فلسطين , يتراجع العدو وتتقدم الامة طليعتها فلسطين وانت حتى نجعل ضريحه عند اخر نقطة على البحر الابيض العربي .
ها نحن يا وطني نبحر خارج الزمن النفطي , ونصر على الحياة خارج التفسير الامريكي لها ونتبع دمك , وينبع دمنا من جوانحك واذا ما شط بنا الالم نضع اليد على الكبد ونصيح وعيوننا عليك :
" وانما أوطاننا حولنا أكبادنا في هيئة الارض "
ها نحن يا وطني , اهلك الذين شيدوا لك الف مئذنة والف مدرسة , ونذروا لكبريائك مئة الف مقاتل ومئة الف معلم خارج زمن النفط .وكم حاصرهم الهم فما امتدت لهم الشكوى .. وكم صغر الرغيف فقالوا : نستف ترب الارض ولا نمد يدا للسؤال , وكانوا دائما مع اخوتهم في الجوع في كل ارض عربية وكم غاب عنهم اخوانهم في النسب والرضاعة , فدع عوالم النفط تتسرب من رمل الى رمل فالحضارة بناء من الم وابداع وقد رضيت أنت ان لا يكون في ارضك بحر من النفط لانك اخترت ان يكون ترابها فضاء من اضرحة الشهداء ونجيعا ممزوجا بدم الينابيع وقلاعا لا ترقى الى مداها هامة ويسهر على حماها الرجال الرجال .
ها نحن نعود الى كبرياء الموقف لاننا نريد ان نخرج جلودنا من مدابغ الصرافة وصراع الاسعار وجنون الاستهلاك وها نحن نريد ان نعود الى خواجي الزيت ولون تراب الارض في اول الشتاء ولون السنابل في زمن الحصاد فكم صبرت هذه الارض على اهمالنا وغفلتنا وكم صبر الفلاحون من اهلنا على زمن كان يوزعهم ذات اليمين وذات اليسار ولا يهنئهم ان جاد الغيت ارضهم وازهر البذار .
ها نحن يا وطني الذين دفعنا دم القلب في النصف الاول من هذا القرن حتى تزهو تجربتك بنور الحرف وحتى تظل النجوم والقصائد ساهرة في اعلى ذرى رم وعند نبع راحوب .
ها نحن الان نعلن أنك كنزنا المخبوء في الروح وغيمنا الغافي على الجبال وشمسنا المستظلة بقلعة الربض وزيتوننا المعطاء في الطفيلة فكن لنا غطاء الروح , فنحن ان ضاق الزمان بنا نهرع اليك وان ألم الحزن بنا نحضر خاشعين بين يديك , وان اوجعك الاسى ننثر وجوهنا على مدى عينيك .. فانهض عذبا كالحياة جميلا مثل اول يوم لاطفالنا في مدارسك ياالذي جادك الغيث اذا الغيث همى . انهض وارسم فضاء العمر لوحات من قصائد وبنادق وانسج غيوما من سنابل واطفال وشكل زمانك القادم من قهوة الضيف وحلم السيف ودبكة الشباب في الاعراس .
" اهلوك نحن , ولا والله لو وردت
زهر النجوم ذليل الماء لم نرد "
وسوف ترحل عنك غيوم التعب ويسكت عنك أساك من زم النفط وستبقى لك فرحة الكبرياء الذي لا ينكسر وانت تفك الحجارة من معاقلها وتلقي بها في وجه الزمن الرديء ووجوه الصهاينة ونحن نلحق بك وننادي عليك , يا ابانا : خذنا معك ( فهل لنا أي مأوى غير مأواك ) ؟ وانت في الاحوال كلها تبتسم واخلع عنك ما مسك من زمن التجزئة والتغريب والاستهلاك . وارفق بنا ولا تخلعنا من نعيم الحياة فيك ولك .
يا طيب القلب والهوى يا وطني عليك سلام الله , فقد ان لك ان تغفر لنا زمن الاستهلاك وعبثه الذي طال فتلفت الينا ورد السلام , واسمع غناءنا الجريح وهو غناء لك لا للمال ولا للبيوت ولا للتنك , واسمعنا ننتخي بك ولك ونحفظ كتابك شهيدا شهيدا , مدرسة مدرسة , ونبعا نبعا , فامنحنا شرف ان نوارى بعد الرحيل ( في تل اربد او في سفح شيحان ) .
ويا ايها الوطن الجميل ..
تلك هي أمتنا التي ترعرع الوجدان على صور حريتها على صور حريتها ووحدتها , وتقدمها وراياتها , فكن في طليعة نهضتها بعروبتك الصافية وصبر اهلك العظيم , وكن بوابة الفتح الى فلسطين والمستقبل وها نحن نهيئ لك اعراس الفرح في القلب الذي يهتف بك :
" وقد خفت ان يغتالني الموت بغتة
وفي النفس حاجات اليك كما هيا "
فيا ايها العزيز , طبت صباحا وعمت مساء , وعليك سلام الله
26/10/1988