عن فايز الطراونة والتاريخ


جفرا نيوز-خاص

ذات يوم مشمس , ذهب وصفي التل إلى منزل أحمد الطراونة ..واصطحب معه فايز إلى منزله في الكمالية ,وكانت عمان وقتها تأن والدم موزع في الشوارع وايلول القاسي ألقى بثقله على المشهد ...فايز وقتها كان في السنة الأولى وعل أعتاب الشباب والقوة طالبا في الجامعة الأردنية ...ووصفي أخذه إلى منزله لأنه كان يحبه ويرى فيه فتى ليس مثل جيله ..ومنزل رئيس الديوان كان هدفا لقذائف المورتر والارب بي جي
في تلك الأيام غادر كبار المسؤولين , والمؤلفة قلوبهم ..ورجال الأعمال إلى بيروت لأنهم ظنوا في لحظة أن عمان ستسقط , وأحمد الطراونة كان رئيسا للديوان الملكي وكان بإمكانه أن يذهب بفايز وفايزة وهشام إلى سويسرا أو لندن ..لكنه أصر أن يظلوا في عمان ..وأن يكون نصيبهم مثل نصيب العسكر والناس .
وذات يوم هاتف محسن السرحان وصفي التل في دار الرئاسة ومحسن كان المرافق الخاص والسائق والأحب إلى قلب وصفي ..قال له أن قذيفة هاون سقطت في الغرفة التي كان ينام فيها فايز الطراونة ...اخترقت السقف وسقطت مباشرة أمامه , ولكن إرادة الله جعلت هذه القذيفة صامتة ..ولم تنفجر , هرع وصفي مسرعا إلى منزله في الكمالية وتبعه أحمد الطراونة ..والخبر الذي تلقاه أحمد عبر برقية عاجلة من الإستخبارات العسكرية كان يفيد بأن منزل وصفي التل قصف ...كان وصفي الأسرع حضورا , وحين وصل ضم فايز إلى صدره وحمد الله , أن الإرادة الربانية أنقذته من الموت ...وبعدها بدقائق وصل أحمد الطراونة ..وشاهد ولده سليما معافى ...
لا نذكر تلك القصة , انحيازا لفايز الطراونة أو في باب الحديث عن فضائله , ولكن من ولدوا وعاشوا زمن الحرب والموت والنار , لديهم من الوعي الوطني أكثر من غيرهم ...نتفق أو نختلف مع فايز الطراونة , ونهاجم أو نهادن هذا الرجل ولكن في النهاية كلنا يدرك في لحظة قياس وقراءة دقيقة للواقع أنه حالة وعي في السلطة ..ومنتج قرار , ولاعب رئيسي لم يخذل زمنه ولا أيامه ولم يخذل تراب القبر الذي يغطي جسد أحمد الطراونة ...
في كتاب مهنتي كملك تحدث الحسين الراحل عن أحمد الطراونة , عن الرجال الذين تركوا الوطن وهربوا عن الذين صمدوا والذين خانوا وافرد فصلا عن أحمد الطراونة , وكيف كان يبيت في الديوان ويتصرف في لحظة كرئيس ديوان , وفي لحظة أخرى كحارس للملك هل تعرفون أن أحمد الطراونة ظل ملاصقا للملك ورفض أن يتركه ..حتى أن الملك الراحل قال عنه أنه لشدة التعب ....صار (شخيره) أشبه بسمفونية يطرب لها الحرس والملك .
فايز صورة عن أحمد الطراونة , ولاء ما بعده ولاء ...وانحياز للعرش والأمة , ووعي في المشهد السياسي الأردني ..
يقولون عنه أنه سيرحل ..سيترك الديوان , حتى وإن ذهب حتى وإن غادر موقعه لكن التاريخ سيبقى يذكره فهو الفتى الذي أحبه وصفي التل وتوسم فيه الخير ..وهو الفتى الذي اخترقت قذيفة الهاون سقف غرفته في منزل وصفي التل ..حين كان الرصاص يستهدف منزل رئيس الديوان أحمد الطراونة ...وقدر له الله أن ينجو من الموت المحقق ...وأن يكمل رحلته في العمر ..
إن بقيت وإن رحلت يا صديق ..تذكر أنك من أحمد الطراونة , وتذكر أنك ولدت في زمن الموت والحرب والدم ...فلك منا التحية وعليك السلام .