أزمة مالية تعصف بأحزاب الوسط في الأردن وتجبرها على الانسحاب بهدوء… ومشاكل وخمول في تيار «زمزم»

جفرا نيوز- بسام البدارين
 لا تجد أحزاب الوسط الأردنية ما تفعله بصورة جدّية في الواقع السياسي بعدما أخفقت على نحو واضح في تحصيل نتائج مبهرة أو معقولة في الانتخابات الأخيرة بنسختيها البرلمانية والمحلية. ولا تجد تلك الأحزاب في الوقت نفسه مبرراً للبقاء في الواجهة، بعد التراخي الكبير حكوميًا في ترخيص ودعم وتمويل الأحزاب التي تنسجم مع معايير الدعم القانونية. في المقابل لم يعد سهلاً بالنسبة لطبقة كبيرة من حزبيي الوسط الذين يقدمون أنفسهم نقيضًا للإسلاميين واليساريين في الوقت عينه مواجهة الشارع عندما يتعلق الأمر بتحمل مسؤولية تداعيات رفع الأسعار وخطة الإصلاح الاقتصادي. يعلم أنصار ورموز أحزاب الوسط أن التجول بين العشائر وفي المحافظات وصفوف الجماهير يحتاج إلى نفقات ومرافق ومقرات. وعليه تعاني الأحزاب الوسطية من أزمة مالية خصوصًا أن رموزها الأساسيين توقفوا عن الدعم المالي بسبب عدم جدوى الاستثمار السياسي والحزبي، فيما تراجعت إلى حد كبير مناسيب التبرع والمنح والأعطيات التي كانت تُدفع سابقًا من قبل نخبة من الأثرياء ورجال الأعمال لتمويل نشاطات حزبية. مجمل هذه الظروف مع بعضها بعضاً عانى منها أغلب أحزاب الوسط وبشكل خاص حزب التيار الوطني الأم الذي بقي لسنوات الرقم الأصعب بالنسبة لتيارات الأحزاب الوطنية. مثل بقية أحزاب الوسط شهد حزب التيار الوطني بعض التجاذبات والخلافات الداخلية متأثراً بالاستهداف الرسمي في بعض الأحيان لبعض أقطابه ورموزه. وكما حصل مع هيئات حزبية وسطية أخرى عانى حزب التيار الوطني من الاعتبارات المالية وواجه أزمة مالية حادة، وقد أقر بها مرات عدة بعض أركان التيار الذي بدأت مشكلاته المالية مع مستحقات الانتخابات قبل السابقة وسط ندرة من التبرعات والدعم وبعد إنشاء مرافق ومكاتب متضخمة من دون أن يوازي ذلك بالنسبة لأحزاب الوسط حضوراً حقيقياً وسط الجماهير ونتائج في صناديق الاقتراع ومقاعد التمثيل. يرى قادة ومؤسسون أن الدولة حطمت قصدًا تجربة الأحزاب الوسطية خصوصاً عندما اعترض بعض قادتها ورموزها على مسارات القرار واجتهادات الحكومة.  ومؤسس ورمز حزب الجبهة الأردنية الموحدة الوزير السابق أمجد المجالي يمكن تلمس حجم الشعور بالمرارة عند نخب خبيرة في الإطار الوطني والتكنوقراطي راهنت على تجذير الحياة الحزبية في البلاد. المجالي درج على اتهام مباشر بعض مراكز القوى باستهداف الأحزاب الوسطية والتحريض على الانشقاقات والنزاعات فيها لتنفيذ أغراض قال إنها عقابية وقصيرة الأمد تنطوي على ردود فعل بسبب مواقف جريئة في إطار الحرص على المصلحة العامة. ولا يختلف رأي أمجد المجالي هنا مع رأي مواطنه وقريبه الزعيم المؤسس لحزب التيار الوطني الذي تحدث مرات عدة عن إخفاق ذريع وعن حكومات لم تفعل شيئًا ولا تريد أن تفعل شيئًا في إطار تجذير وتعميق الثقافة والتعددية الحزبية. بالجرأة المعهودة فيه وعنه كان عبد الهادي المجالي صاحب السبق في قرع جرس الإنذار بإعلان حل حزبه الأم بسبب ما وصفه عبثية الحياة الحزبية برغم أن الكثير من الوثائق المرجعية المَلِكِية تدعو إلى التنوع الحزبي وتجذير الثقافة الحزبية في أوساط المجتمع والناس وسبق أن وصلت في طموحها لتعبيرات علنية مرات عدة تتحدث عن الطموح بتخفيف زحمة الأحزاب والوصول لبرنامج حزبين أو ثلاثة قوية تتداول سلطة التشريع والحكومة. وذلك لم يحصل بكل حال والسبب هو عدم الجدية للإصلاح السياسي، الأمر الذي لا يريد مؤسس التيار الوطني التحدث عنه مكتفياً بقيمة وجدوى الانسحاب الصامت. ما فعله حزب التيار في خريطة القوى الحزبية أصبح سابقة لا يستهان بتأثيرها، فمجرد تعليق الجرس من جهة حزب التيار الوطني تداعت أحزاب أخرى لإعلان مشروعات لحل نفسها تلقائياً لتلك الأسباب ذاتها التي تحدث عنها التيار الوطني. حزب الأردن أقوى تأثيراً بين تلك الأحزاب، وكذلك حزب تيار التجديد، فيما تنخفض قيمة تأثير أحزاب وسطية أخرى، بسبب خلافات وتجاذبات حادة بين أقطابها وصل إلى حد النزاع على المؤسسة الحزبية والترخيص والمقرات.. حصل ذلك مع الجمعية المرخصة المنشقة عن الإخوان المسلمين بقيادة الشيخ عبد المجيد الذنيبات التي تعتبر نفسها على وسط التجربة الحزبية والخيرية قياسًا بحزب جبهة العمل الإسلامي. وحصل ذلك أيضاً مع حزب «زمزم» المنبثق عن الإخوان المسلمين الذي ينفرد اليوم بمصيره الأب الروحي لتجربته الشيخ إرحيّل الغرايبة بعد قرار غامض بإبعاد الشريك المؤسس المهم في التجربة الشيخ نبيل الكوفحي. واستناداً إلى مصادر عليمة جدًا في حزب زمزم لا يحضر قادة الحزب الاجتماعات، ولجان الحزب أصيبت بالخمول والكسل وتأثر حجم الحزب وتأثيره وثقله بأزمة الاستقطاب الحاد بين شريكيه سابقًا المتخاصمين لاحقًا الكوفحي والغرايبة. عندما يتعلق الأمر بالخمول تحديدًا والكسل وحصول انسلاخات فردية عبر تمكين السلطة من انتقاء وفرز أشخاص دونًا عن غيرهم تأثر أيضاً حزب وسطي عريق يحمل اسم الوسط الإسلامي وهو أيضاً شكّل أول حالة ناضجة للانشقاق بهدوء عن تنظيم الإخوان المسلمين. وتدلل هذه المعطيات ومع حالة الغيبوبة التي تعيشها تيارات وسطية حزبية تميل إلى اليسار أو تتقمص الفكر القومي أحياناً على اختراقات حادة جدًا أفقية وعمودية في بنية التنظيمات الحزبية الوسطية في الأردن. وهي اختراقات تتغذى عمليًا اليوم على تراجع الاستثمار الانتخابي وسلسلة من الأزمات المادية ومناخ الإحباط الاقتصادي والسياسي وسط الجمهور.