عشية قانون جديد للوقاية من جرائمها… هل يصبح الأردنيون من دون «متنفس إلكتروني»

جفرا نيوز- لا توجد قرائن وأدلة مباشرة على أن الفرصة متاحة أردنياً للعب في المساحة الدقيقة الفاصلة بين السيطرة بالقانون على تفاعلات وسائط التواصل الاجتماعي الحديثة عبر المزيد من القيود و«حريات التعبير والإعلام». فالخيط الفاصل رفيع جداً بين انفلات التعبير الاجتماعي عبر صفحات وتغريدات ومواقع لا يمكن السيطرة عليها وتؤذي المجتمع والدولة والاستثمار في «أخطاء ومخالفات» التعبير لضرب ومراقبة حريات التعبير السياسية والأساسية. لكن هذا الخيط الرفيع يثير في عمّان ووسط نخبها الجدل القديم دوما لأن صفحات التواصل بدأت مبكراً حفلة اللطم والارتياب بسبب تعديل قانون جديد سيقدم للبرلمان ويفرض عقوبات موسعة على وسائل وتقنيات التعبير خصوصاً في الشبكة الاجتماعية حيث الهوس الشعبي اللافت عند الأردنيين في هذا السياق. في أكثر من مؤسسة عميقة وسيادية وفي عمق القنوات الحكومية للسؤال الحائر حول أفضل الطرق والتقنيات لمنع الفوضى التي تنتجها وسائط التواصل الاجتماعي. حتى في المؤسسة الأمنية تطرح تساؤلات عن كلفة الرقابة والقيود قياساً بكلفة السماح للانفلات في الاستقرار والتحول إلى عادة اجتماعية لا يمكن ضبط إيقاعها. يؤكد مسؤول بارز في حكومة الرئيس هاني الملقي أن القيود الجديدة التي ستفرض على مخالفات فيسبوك وتويتر ليست مخصصة إطلاقاً للرأي والتعليق السياسي ولا للمساس بالحريات بقدر ما هي مخصصة للعمل على تلك المساحات الفوضوية التي يثيرها الأردنيون عبر صفحات التواصل فيهددون الاستقرار العام وبلا ضوابط او كلفة قانونية وينشغلون بالتحريض ويختلقون الأزمة تلو الثانية. طبعاً لا يوجد ضمانات أكيدة بأن لا تستخدم القيود الجديدة التي يتم طبخها الآن في الغرض السياسي أو الأمني ولتكميم الأفواه المعارضة أو المنتقدة. لكن الصحيح في المقابل أن المجتمع نفسه بدأ «يضج» بما تنتجه وسائط التواصل ويومياً من أزمات في عمق المجتمع وبين الناس وسط حالة إعلامية وطنية ورسمية ميؤوس منها وكسل حكومي ملموس في تقديم روايات عن مسار الأحداث. لذلك علق الجميع في سؤال المفارقة بين قيمة الحفاظ على حريات التعبير وأهمية احتواء الفوضى الإلكترونية التي تقلق صناع القرار وتسهم في نمو رقعة أزمة المصداقية بين الناس والسلطة. ومثل هذا النقاش اندلع مجدداً في الأوساط التشريعية والسياسية والإعلامية بعدما شارف ديوان التشريع الحكومي على إنجاز النسخة الأولى من التعديل القانوني الجديد الذي يفرض عقوبات وغرامات بالجملة على تفاعلات الناس مع وسائط التواصل. ديوان التشريع سيحيل نسخته قريباً لمجلس الوزراء قبل إقرارها وإرسالها لمجلس النواب وسط ردود الفعل الحيوية التي تعيد إنتاج القناعة بان كلفة مخالفات الشبكة ومضارها أقل بكثير من كلفة تكميم حريات التعبير الإلكتروني وقمع المواطنين وبالتالي تخلص الحكومة والسلطة من الدور الفاعل في تداول وترويج المعلومات خلافاً للكشف عن ملفات فساد أو إجبار الحكومة على توضيح الكثير من الأمور. طبعاً لا يمكن معرفة التداعيات التي ستحصل بعد حفلة القيود المستجدة على المساحة التي تعتبر اليوم في ظل «كسل وتواطؤ» الإعلام الرسمي بمثابة «المتنفس اليتيم» للأردنيين على المستوى الشعبي وسط حالة الهوس الاجتماعية في التعاطي ولساعات عدة ويومياً ومن قبل الجميع مع كل إنتاج صفحات التواصل بما فيها «الغث والسمين». حتى نظرية «تنفيس أو تفكيك الاحتقان» الكلاسيكية هنا تسقط من دون تقادم وسط الاجتهاد العميق الذي يرى أن السلطات تستخدم ذريعة فوضى التواصل الشعبية لتقييد حريات التعبير السياسي عشية مرحلة في غاية الصعوبة والحساسية تواجهها وستواجهها المملكة قريباً. الحديث هنا عن مشروعات سياسية على المستوى الإقليمي لا تتميز بالشعبية. وعن وضع اقتصادي ومالي حساس ومؤشرات حراكية ونمو في المعارضة وارتفاع كبير في سقف النقد يشارك فيه أحياناً نخبة عريضة حتى من السياسيين وطبقة رجال الدولة.. وهذه كلها أوضاع تتطلب ضبط الإيقاع الإعلامي والتعبيري وإظهار قدر كبير من الحزم وفقاً لما ينظر له العشرات من المسؤولين في الغرف المغلقة. لم تعلن الحكومة بعد تصورها للتعديل القانوني الجديد الذي سيثار تحت بند الجرائم الإلكترونية وسيوسع من نطاقها من دون اعتراف الحكومة بأن الجزء الأكبر من فوضى الشبكة الاجتماعية يتحمل مسؤوليته القصور في الإعلام الرسمي والأخطاء الفردية التي تتم التغطية عليها. وعلى الرغم من ذلك اشتعلت وعلى الفيسبوك تحديدًا موجة من الحذر الساخر المسبق تخللها مخاطبات بالجملة ومن بينها رسائل لمؤسس فيسبوك الأمريكي مارك زوكربيرغ نفسه تطالبه بالتدخل والشرح للحكومة الأردنية لأنها بصدد معاقبة كل من يضع إشارة «إعجاب» أو تفاعل على نص تقرر السلطة انه يخالف القانون وهي رسالة ظهرت مثلاً على صفحة الصحافي نادر خطاطبة. الكاتب والصحافي الأردني المقيم في الإمارات مثلا عبدالله بني عيسى أشار لضرورة الاحتفاظ بكلمات ومفردات من النوع الذي لا تطاله عقوبات القانون الجديد بكل ما يتطلبه الأمر من تورية. الأردنيون وعلى الوسائط المستهدفة يسألون مبكرًا: هل سنذهب للسجن أم ندفع غرامة بموجب القانون الجديد إذا وضعنا إشارة «لايك»؟ ويبدو ذلك سؤالاً استباقياً لأن مسوغات ومبررات تقليم أظافر حريات التعبير متعددة في سوق القرار في الوقت الذي لا يظهر فيه المتفاعلون فعلاً وفي بعض الأحيان أي إحساس بالمسؤولية الأخلاقية لأن بعض الجرائم بدأت فعلاً ترتكب بسبب فوضى النشاط الإلكتروني الشعبي.