«آينشتاين»… موظف في حكومة الأردن
جفرا نيوز- بسام البدارين
الإشارة التاريخية للتلفزيون الأردني نفسها كانت تنقل خطابا قصيرا للراحل الملك حسين بن طلال خلال وضع حجر الأساس لأحد المعاهد المتفوقة في التعليم عام 1999 قال الملك وقتها… «هذه نبتة جديدة في هذا الوطن تثبت أن شعبنا يريد أن يستمر في الطليعة».
العبارة بدت ساحرة لولا نثر المحتفلين «النكد» بالكوم في الأجواء وهم يستعرضون بعض الأفكار البراقة … «تشجيع الطلاب على التفكير النقدي» و«الديمقراطية واحترام الرأي الآخر» وأخيرا العبارة المجترة عن «الانتماء الوطني».
كنت سأحتفظ بلساني في جعبته لولا أني قررت التحدث كـ «ولي أمر» أو «شاهد ما شافش حاجة»: ..هل تتحدثون مع أولادنا عن «كلفة» التفكير النقدي على حياتهم لاحقا؟.. هل تقبل إدارة المدرسة النقد وتشجع عليه؟.. طبعا قاطعتني الإدارة الديمقراطية للجلسة قبل طرح السؤال الثالث: هل يوجد تعريف جمعي في بلادنا لـ «مشروع وطني» حتى ندربهم على الانتماء إليه؟
الجواب كان ودودا بنفس مقدار وصفات مريم نور وعلى طريقة..» لا تشعل الكهرباء ولا تلعن الظلام وامسك قلبك فالمحبة هي الأساس وتناول وجبة الصمود ..بصل ..فجل ..منسف».
رحم الله الملك حسين و»الطليعة الأردنية».. أخشى أننا في الطريق لتجربة «طلائع حزب البعث» على الطريقة السورية حيث اصطفاف وتصفير وتسحيج وزمجرة لأربعين عاما انتهت بقتل أو تشريد نصف الشعب وتدمير نصف سوريا وبطبيعة الحال مع الاحتفاظ البهي والكامل بكل كذبة الممانعة والمقاومة ونسخ قصة «المحور الجديد المنتصر».
نعود للطليعة الإدارية الأردنية اليوم حيث نمط مستنسخ ومستقر من أغرب أصناف الإدارة يعايشه المواطن الأردني بسبب «عدم قدرة» كتلة ضخمة من الموظفين على العمل و«عدم رغبة» العدد المتبقي بالعمل والإنجاز خوفا من التداعيات والنتائج حيث الجميع يراقب الجميع والفرصة متاحة لأن يتحول أي موظف مسؤول إلى «كبش فداء» لقصة فساد مفترض صغيرة سرعان ما تكبر كالخيار المهرمن.
يتحدث لي ولغيري كل من يحمل رتبة متقدمة في الإدارة عن شغف هوسي عند الجميع بالتوقف عن اتخاذ قرارات لأنه لا أحد يعرف متى وأين ولماذا تنطفئ الكهرباء فجأة فتبدأ حفلة النميمة ويلتقطها البرلمان او الشارع وتتحول قصة أي قرار لقضية رأي عام.
لافت جدا أن ذلك استمر بالحصول حتى بعدما انتهى الربيع العربي وتوقف الحراك الشعبي وأصبح بمثابة الثقافة السائدة الطاغية على أي نمط إداري آخر.
يلاحظ محدثي وهو من طبقة رجال الدولة ما يلي: المتحف الوطني مليء بالاستراتيجيات الورقية وأوراق العمل والوثائق التي تنطوي على حلول، عند التطبيق تنزلق الاستراتيجية إلى «تكتيك» وفي المستوى التنفيذي يتحول التكتيك إلى «تسليك».
آخر بارز على المستوى المعرفي يتحدث عن استحالة الإنجاز سياسيا وإداريا من دون تقسيم العملية لثلاث مراحل: «تحديد الأعراض، تشخيص المرض ووضع العلاج». في حالتنا لا زلنا نطيل الإقامة في مرحلة الشكوى من الأعراض.
أضيف أنا هنا بعض الأبخرة فأي تسليك يحصل من دون «تشبيك» فيظهر القوم بالإدارة كالغنم الشاردة بلا راعٍ ولا منسقٍ ولا منظومةٍ بسبب صعوبة رصد الرجل المناسب في المكان الأنسب، ولأن المطلوب يصبح مع مزاج الغضب والحدّية وعدم التقبل هو «إرضاء» المسؤول الأعلى وليس العمل فعلا بمعنى ترديد الأغنية التي يفضلها فقط.
من باب التفكير النقدي يمكن ملاحظة إحدى الشاشات وهي تثير بعض الغبار بتوقيع أول نائب لرئيس الوزراء الحالي الدكتور جواد العناني الذي أثار غضب بعض النواب وكثيرا من التعليقات على الوسائط لأنه فاجأ الأردنيين وحسب المنقول بحقيقة لا أحد يعرفها: «أنا أقدر من هاني الملقي على إدارة الحكومة».
قد تكون جارتنا أقدر من الاثنين على قيادة الحكومة.
لكن العناني جلس عدة أشهر في موقع «الرجل الثاني» وقاد الفريق الاقتصادي وتعامل مع تلك الملفات التي يقول اليوم إنه أقدر من صديقه على إدارتها ولم نسجل نحن معشر المراقبين اختراقات عظيمة خصوصا في مستوى «جذب الاستثمارات».
نرحب بالعناني وهو خبير استثنائي بالاقتصاد في النادي إياه، حيث وزراء ومسؤولون لا يعرفون لماذا تم تعيينهم وعلى أي أساس غادروا موقعهم.
جلست صدفة في مقهى إلى رجل ستيني يشتكي من الإرهاق الذي يعانيه في الحصول على عمل حقيقي بعدما خدم في الدولة.. لاحقا تبين لي أن المتحدث عين مرة وزيرا للنقل ستة أشهر فقط وانضم للطاقم الذي يسأل: لماذا أحضروني وعينوني وزيرا ولماذا تخلصوا مني بسرعة لاحقا؟
ذلك امتياز حصري في سلك «التعيينات العليا» لنا كأردنيين لا تشبهنا فيه أي أمة على وجه البسيطة.
وهنا حصريا أستذكر العبارة الساحرة لصديق سفير قابلته مؤخرا أراد التحدث عن «إقصاء مكونات من الوظيفة العليا» قائلا: عندما يتم تعيين «آينشتاين» يمكنني الموافقة من دون اعتراض ولا حتى سؤال عن أصله وفصله وقبيلته أما التعيينات على أساس الولاء والمحاصصة فيتوجب أن لا تستثني أي شريحة أو مكون اجتماعي أو كفاءة».
هذا تنظير للكارثة الإدارية لأن أبرز مفكر اقتصادي في العالم لو طلبت منه الحضور لعمان والعمل أو وضع خطة سيخفق بصرف النظر عن مهاراته ومعارفه لأن المطلوب اليوم ببساطة واختصار «أدوات» تتحرك عشوائيا وعلى طريقة حفلة وناسة وليس خبرات متراكمة معرفيا يمكن أن تشكل إضافة نوعية لإدارة كان يتغنى بها المحيط.