الى مضر المواطن وليس مضر الرئيس
جفرا نيوز – احمد سلامه
كتب الصحفي المخضرم احمد سلامه مقالا في تسعينيات القرن الماضي تاليا نصه ...
حين يتوارى الادب .. والرفيع منه على معنى التحديد , تزدهر اشياء اخرى مثل الغناء والحداء والتنغيم والخط والزخرفة والاربيسك .
وفي الكتابة الصحفية يحدث ما يحدث في الادب ولو بصورة اخرى تقع استبدالات تربك الكتابة الصحفية فتعتذر المبادئ مخلية للمصالح الدرب وتنحني العواطف مذعنه للتطبيل كي يأخذ مداه وتتداخل اطياف ما هو جوهري بما هو افتعالي .. وبهذا فإن عبئا ثقيلا ينوء بحمله القارئ يصعب عليه تجنبه , في قدرته على ادراك ما يريده الصحفي فيما يكتبه ..
ذلك احتراز احببت ان اعتصم به قبل البدء في مقالتي هذه , ذلك انني زججت نفسي في شيء لا اعرف اسبابه بصورة مباشرة هذا اليوم وخرجت عن مألوف ما رتبت عليه نفسي طوال سنوات مضت .. قناعة وسلوكا وهو الكتابة عن شخص بعينه , خارج الاشخاص الذين امنت بدورهم وبفكرهم ..
ببساطة وبطريقة مباشرة اكتب اليوم عن " مضر بدران " الذي نزل الدرج في ( 10 داوننغ ستريت الاردنية ) يحمل ازجاعه الصحية وينضم الينا كمواطنين شهودا على المرحلة التالية في حياتنا .
في بلادنا يشغل الناس انفسهم بالقادم وتقحم الصحافة نفسها احيانا بصورة مجانية , بتفاصيل القادمين , كيف يلبسون ولماذا يضحكون وفيم يحلمون ..؟!
واكاد ازعم ان شيئا من اختلاط المصالح بالقناعات يصعب التمييز بينهما يقع حين يتناول الناس القادم .
ولان الناس في بلادنا اعتادوا الريبة مثنيا عليه .. فانني اقدم لما سأقوله عن " مضر بدران " بما يلي :
انا واحد من صحفيين عدة في الاردن لم يريدوا ان تكون حركتهم في المهنة عبر بوابات الحكومة ايه حكومة وكنا نرى ولم نزل في " الرأي " ان عدم اقترابنا من خلافات الحكومات والنظر اليها بحياد يعصم الصحافية عن الزلل والشطط وان تبقى في خدمة الدولة ومستجيبة لمصالح الشعب .
وما اكتبه عن المواطن مضر بدران الان ليس في خدمة احد , وليس هو ضد احد ذلك انني على المستوى الشخصي ليس له علي ما يكون قد قدمه لغيري وانني كذلك في مستوى العلاقة الانسانية لم اصافحه يوما ولا جالسته قط وكفي ازاءه كما هي ازاء غيره ليس فيها سوى قلمي .!!
اكتب عن مضر بدران بعد كل هذه المقدمة الطويلة وكانت كذلك تلبية واستجابه لريبة القارئ فيما يكتبه الصحفي في العادة .
مضر بدران .. رجل دولة اخطأ كثيرا ربما وتضرر منه عديدون ذلك شيء قد وقع واستفاد منه اخرون كذلك بأكثر مما هم جديرون به ذلك امر انساني يحدث دوما .. لكن جيلنا سيحفظ لمضر بدران مسائل ثلاث نذكرها في باب التأريخ للاردن ولدوره فيه وليس لسواد عيونه ..
الاولى :-
مضر بدران بملامحه وبجيناته الوراثية هو ابن مدينة بكل ما تعني المدينة من محدودية الخيال والتضييق على الاساطير الجميلة لكنه كان طوال فترات حكمه يحمل هم الفقير الاردني وكان في وجدانه كما عبر عنه سلوكه يستعذب تذكر شباك مدرسته المخلوع في شتاء الكرك الصحراوي حيث تخرج اكثر مما كان يميل لليمون بستان ابيه في جرش .. وقد منحته هذه المسألة مرونة في الحركة ومتابعه مدهشة في التفاصيل فارتبطت انجازات كثيرة في مراحل وجوده في الحكم وباسمه شخصيا من مطار الملكة علياء في الوسط الى البوتاس في الجنوب والجامعات في الشمال .
الثانية :-
ليس اصعب على رجل الحكم ان يفرد صدره لحناجر او خناجر الجماهير العاتبة وليس اشد اذى على النفس من ان يكون المرء في الحكم في لحظة التحولات الكبرى ومن سوء حظ مضر بدران ومن حسن حظنا انه تكفل وهكذا كان قدره " بقشط زفرة طبخة الديمقراطية في بلادنا " .. فهو غادر بعد ان ازال هذا الزبد وابقى على ما ينفع الناس المستطعمين بها الذين منحهم جرأة فيها وصل هديريها الى عتبة داره وقد قبل بذلك راضيا متحمدا .
الثالثة :-
مهما كانت اجتهاداتنا في ازمة الخليج ومهما يحاول البعض فينا اسناد موقفه بانتصار المعسكر الخليجي فيها ومهما كانت انتقاداتنا للقيادة العراقية في ادارة الازمة فأن التاريخ المحترم , والتاريخ الصادق لما جرى سيذكر اشياء اخرى , ليس هنا مجال ذكرها .
وفي هذه الازمة كان مضر بدران , مواطنا شريفا , ورجل دولة حمل نفسه تحت القصف الامريكي وتسرب الى بغداد وحين انفجرت عجلة سيارته لم يتراجع ووصل بغداد .
هو مضر بدران , الذي صاحبنا طوال ازمة الخليج وحربه ما نقص علينا رغيف خبز بل اعطينا من خبزنا للاخرين , وكانت صواريخ العراق تمر على رؤوسنا قاصدة تل ابيب , ووقف من خلف " الحسين " ما اهتز له رمش , ولا تراجع خطوة .
ومضر بدران الذي مضى الى منزله , حين رفع استقالته " للحسين " ووقعها " خادمكم الامين " انهم كثيرون يقولونها ويرفعونها وهم يعنون مضمونها لكن حين تأتي من مضر بدران , فان لها طعما اخر يميزها لقد كان في خدمة القائد دوما وحريصا على مصالح شعبه ..
ويا حسن الختام ايها السيد , ايها الرئيس المحترم