الدولة التائهة...(26) .. عوض الله مرة أخرى

جفرا نيوز - خاص - كتب – بيتر باتريك سنو ظهر باسم عوض الله مرة أخرى في ( دافوس) , هذا يعني أنه غير غائب عن المشهد تماما , هذا يعني أنه موجود ....هذا يعني أيضا أن الجدل سيعود مرة أخرى حول دوره , ومين عين ومن زكى للموقع الفلاني ومن أقصى .. (عوض الله) في المشهد السياسي الأردني لم يكن يوما صانع قرار , وقد حاول أن ينتج ولكنه فشل , وثمة ما يسمى (بالحول) السياسي في فهم دوره وفهم مشروعه ...وهناك تضخيم كبير لوجوده في المشهد . ودعونا نوضح الأمر قليلا :- في كل مركز قيادة في العالم , هناك شخص يضع الأجندة للقاءات الرئيس , مثلا في الزيارة الأخيرة التي قام بها أوباما للسعودية في الصيف الماضي , كانت الأجندة الموجودة على دفتر الرئيس هي إرسال تطمينات للقيادة السعودية حول الإتفاق النووي مع إيران ..ومن وضع هذه الأجندة هو شخص ملم بشؤون الشرق الاوسط . في بداية الألفية الثانية , كانت الدولة الأردنية في حواراتها مع الغرب تفتقر لمن يضع الاجندة الإقتصادية للحكومات , حين تخاطب دولة مثل اليابان أو فرنسا ..في قضايا المنح والإستثمار , لم يكن هناك في الدولة عقل يستطيع فهم المشروع الإقتصادي الجديد في العالم أو فهم التغيرات التي تحدث ...أو فهم شكل الإقتصاد الجديد , لهذا برز باسم عوض الله كرجل يضع أجندات الخطاب ليس أكثر ولا أقل , وحاول أن يقدم الأردن عبر أجنداته كبلد متحرر من تخلف العالم الثالث , أو بلد قفز عن كونه مجرد دولة نامية . وهذا الرجل لم يكن يملك فكرا سياسيا , يؤهله ليصنع انقلابات توطينية , أو يقود تحالفات مع إسرائيل , أو يلعب دورا في رسم علاقات مخفية للأردن ..أو أن يشكل تحالفات جديدة , هو مجرد واضع أجندة فقط .. مشكلة باسم عوض الله هي أنه خاطب العالم المتقدم , بما يريده العالم ذاته من خطاب , ونسي أن يشكل خطابا داخليا ..يتوائم مع طبيعة الدولة ونسقها الإجتماعي وبنيتها العشائرية , لهذا صار في لحظة عبئا على الدولة بدلا من أن يكون معينا . لم تخضع شخصية هذا الرجل لتقيم موضوعي أبدا , بقدر ما خضعت للشك والتجريح , والتخوين ..وما جعله كذلك هو الأخطاء التي ارتكبها ..حين حاول القفز من وظيفة واضع الأجندة , إلى وظيفة صانع مشروع إقتصادي.. في إدارة ترامب الجديدة , أهم الاشخاص في المكتب البيضاوي هم الذين سيضعون أجندة الرئيس المقبلة , وهؤلاء لا يظهرون على الشاشات ..لان دورهم الحساس والخطر , مرتبط بكونهم خلف الكاميرا وليس أمامها ..ومشكلة عوض الله في مرحلة ما أن الأضواء سحرته , وشدته نجومية الإقتصاد ..فأراد أن يكون بطلا إقتصاديا مغوارا ...وتلك هي خطيئة الأذكياء حين يخرجون من خلف الستارة , فالمخرج يستطيع أن يعلم الفنان كيف يؤدي الدور ..ولكنه هو نفسه يعجز عن أداء الدور . في الظهور الأخير لباسم عوض الله في قمة (دافوس) , تحزن كثيرا على هذا الرجل فهو يحاول بكل ما يمتلك أن يبيض سجله , أن يقول للناس مازلت موجودا وأنا لست كما يشاع عني ..ولكنه مع كل ظهور إعلامي , تلمح فيه صورة طفل يحاول أن يبرأ نفسه , من خطيئة ...لم يقترفها . في النهاية ..صار عوض الله , ضحية للمرحلة وهو من قرر أن يكون كذلك والأخطر أنه شماعة تعليق الإخفاقات ...وهو يمارس ذلك دون أن يدري . مصر سجنت هيكل في عهد السادات , لأنه قفز من دور واضع الأجندة إلى دور المناكف , حين قدم نفسه أنه الأعلى وعيا في مصر , ولم يكن يدري لحظتها أن عهد عبدالناصر قد انتهى , لكنه استدرك الامر مباشرة وعاد لوظيفته وهي الأستاذ والصحفي ..وأنتج حضوره مرة أخرى , حين أدرك أن المراحل تحرق وأن الإنسان يجب أن يتكيف مع كل مرحلة . وكريم بقردوني في لبنان عاد لدوره مباشرة كمفكر وصحفي , بعد أن تورط في زج حزب الكتائب , في أتون علاقات وصراعات لم تكن محسوبة الجوانب ..وهاهو ينتج دورا جديدا في لبنان , ويعود لوظيفة الصحفي والمفكر ..ويتخلى عن أدواره السابقة . وفي بلادنا أيضا , دفع صلاح ابو زيد ثمنا قاسيا , حين قفز عن دوره محاولا إنتاج أدوار أكبر ... لم يفهم باسم عوض الله , جيدا أن المجتمع شرس ولا يرحم ..وأن الأردن دولة , تتحرك فيها النخب تارة باسم الهوية , وتارة باسم الجغرافيا وتارة باسم القواعد الإجتماعية ...ظن في لحظة , من الزمن أن هذه الدولة قادرة على أن تقفز من عالمها الثالث إلى عالم جديد ..مليء بالأحلام والرؤى والإنجازات , حين قرر ترك أهم وظيفة ..في مطابخ القرار وهي (واضع الأجندة) ..مع أنها في العالم تعتبر الوظيفة الأدق والأخطر . أنا لست مع إخراج باسم عوض الله من المشهد أبدا , بل مع إعادة رسم دوره ومع جعله يفهم نفسه من جديد , هو ليس سيئا ..وليس توطينيا , وقد ضرب بسياط التخوين , ونهب البلد وتدمير مؤسساتها, بأكثر مما يجب ...لكننا للأسف حين نشاهد هذا الرجل نطبطب عليه , ونلمه بالحضن ...وننسى أن ننصحه بالعودة , للقاعدة التي انطلق منها ...على الاقل باسم عوض الله يعرف كيف يفكر البنك الدولي ويستطيع أن يصيغ لنا أجندة خطابه , يعرف كيف يستجلب المنح ..يعرف كيف يقدم , خطابا غير تقليدي للمحركات الإقتصادية في أوروبا , ولكن مشكلته تكمن في أنه لا يجيد الحفاظ على نفسه ويبعثر قدراته ...وينسى أن ثمة قواعد إجتماعية وسياسية داخلية , يجب أخذها بالحسبان ... العباقرة ..في داخل كل واحد منهم يوجد طفل بريء وأهبل , وباسم عوض الله عبقري , ولكن شيطان الطفل في داخله دائما يقوده للصدام مع الاخر .