فـي فـقـه «فـقـر الاردنـيـيـن»
جفرا نيوز- فارس الحباشنة
بعيدا عن تقرير امريكي يضع الاردن عاشر افقر العرب و96 عالميا، فان السؤال يشتد عن كيفية العيش في الفترة المقبلة ؟. سؤال لا يغادر هواجس كل بيت اردني، ولا يغادر هواجس كل رب اسرة، على اختلاف مستويات اوضاعهم الاقتصادية الاقل من متواضعة وعادية وامكاناتهم الذاتية بالتكيف التقشفي مع المحن المعيشية التي تدب في عيش الاردنيين، والتفكير بالمستقبل المحفوف بالخوف والمخاطر.
السياسات الاقتصادية لعنتها تلاحق طبقات الفقراء وذوي الدخل المحدود والطبقة الوسطى، وهم الطبقات الاكثر امتدادا على خرائط المجتمع الاردني، سواء في العاصمة أو مدن الاطراف، جمهور من الضعفاء ممتد يعاني من التهميش جراء سياسات اقتصادية فاشلة.
الحرب الاقتصادية ضد الفقراء تتجدد في كل قرار اقتصادي حكومي، من رفع الدعم عن السلع الاساسية الى الضرائب المتصاعدة بلا هوادة، فلم يعد باقيا الا لقمة عيش الاردنيين «رغيف الخبز» المهددة ايضا بساسات املاء تهدد بتجزئة الدعم ويقال أن الحكومة ذاهبة الى ما هو أبعد بالغاء الدعم بالكامل.
دائرة السؤال تنفتح لتطرح ما هو أعمق عن البطالة الكثيفة التي تواجه الاردنيين، والسياسات البطيئة بل المعطلة في حماية فرص العمل المتواضعة عددا التي يولدها سوق العمل، ومنع الوافدين وبالاخص السوريين من اقتناصها، فثمة مخاوف عميقة وراسخة من اجندة هيكلة لامرئية تجري للاقتصاد الاردني تسمح بتوغل قوى «اجنبية» على قطاعات اقتصادية وانتاجية وتحديدا المشاريع المتوسطة والصغيرة.
فحتى الان فان العقول مغلقة عن التفكير لحل للمشاكل المترتبة عن اللجوء السوري، وتعثر الحكومة بوضع سياسات تحمي الاقتصاد المحلي، ولا تجعل الكلفة والتداعي تقع على عاتق الفقراء والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى وما دونها.
اشبه بالهستيريا تطغى على عقول الاردنيين عندما يفكرون بالمستقبل، أيام سوادء قادمة، وكأنه قد تبقى من السواد شيء حتى تتنظر حلوله. المواطن دخل بالحيط بقدر ما هو محاط بالعوز والفشل والاخفاق والارباك، عجز مرعب باستدراك أي سؤال عن المستقبل، فكما يبدو فان الرغبة في تقييم السياسات الاقتصادية جامحة للسكون والاستمرار على منوال ما هو متوارث من الحكومات السابقة.
اشباح يجلبها استحضار السؤال عن المستقبل، وأكثر ما يصيب الناس هو الاستسلام للامر الواقع، مع اتساع رقعة الاحتقان بكل احجامها، ونمو محميات ومزارع «الاقتصاد العشوائي البديل» بكل انواعه من تهريب وغسيل اموال وتجارة مخدرات ومجتمع الجرائم التي يبدو أنها تتشكل في المساحات الاجتماعية اللامرئية بقوة لمواجهة اثار صدمات السياسات الاقتصادية.
والمدهش أنه في مواجهة تداعيات الصدمة الاجتماعية للسياسات الاقتصادية، لم تعالج الاختلالات البنيوية في الاقتصاد من حيث العدالة الضريبية ووقف نزيف التهرب الضريبي الذي يقدر بنحو ملياري دينار، مكنوزة في بطون الاثرياء التقليديين ورجال الاعمال من ملتقفي ثروات الصدفة.
فكما يبدو فان العقل المفكر بالازمة الاقتصادية لا يرى من الابرة سوى ثقبها، فالمنشغلون حكوميا بالمسألة الاقتصادية لا يثير اهتمامهم سوى عجز الموازنة المتهالكة والمديونية المتزايدة، فاكثر ما يقع أمام ناظرهم كلما فكروا بالحلول الدعم الحكومي لسلع وخدمات معيشية اساسية ورفع الدعم عنها، وهو ما يؤثر حتما على شرائح اجتماعية، لا يمكن اعتبارها الا وقود لعملية اصلاح اقتصادي اعرج واعمى.
الاقتصاد لا يقوم على نظرية «الشطارة الرقمية» البحتة في معادلة الربح والخسارة بتصويب مسار ارقام الموازنة العامة، انما سياسات تنظم المجتمع وترعى تنميته وتطوره وامانه الاجتماعي وتحقق سعادته.
ومن هنا فالاقتصاد لا يمكن أن يعمل دون وعي بالخريطة الجغرافية والاجتماعية، ويدرك ابعاد اي قرار بالمنظورين القريب والبعيد، فالحلول الترقيعية والمؤقتة تعبر عن بؤس عارم يصيب العقول.