العمالة الوافدة والبعد الأخلاقي الإنساني

جفرا نيوز- مصطفى توفيق أبو رمان مطلع ثمانينيات القرن الماضي، بدأت العمالة الوافدة (في بعدها المصري آنذاك) تتزايد وتنتشر كحقيقة على الأرض، لا بد من التعامل معها. في ذلك الوقت، انضاف إلى العمالة المصرية الوافدة، من جاؤوا من سوريا هاربين بدينهم وأعراضهم وأرواحهم من بطش آل الأسد، ومن المذابح التي ارتكبها رفعت الأسد في حماة وسجن تدمر العسكري بمباركة شقيقه الرئيس حافظ الأسد. معظم السوريين الذي قدموا آنذاك أسسوا لأنفسهم مشاريع عمل فردية، مثل صناعة الحلويات وافتتاح المطاعم ومحال صناعة المعجنات وما إلى ذلك، إضافة لاستيعاب ما تبقى منهم في سوق العمل المحلية. واليوم، وبعد زهاء أربعة عقود من تلك البدايات، فإن مراجعة إنسانية أخلاقية للعمالة الوافدة بات لا بد منها، خصوصاً مع قرار وزارة العمل الأخير المتعلق بإيقاف العمالة الوافدة في بعض القطاعات، وتحديداً التي انتشر مثل النار في الهشيم، الحديث عن وجود شبهات فساد فيها (القطاع الزراعي نموذجاً). على كل حال، هي ليست دعوات جديدة، تلك المتعلقة بإيقاف العمالة المصرية الوافدة على وجه الخصوص، فالكاتب موسى محمد علاونه يطالب في مقال له نشره بتاريخ 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012 في صحيفة "الدرب" الأسبوعية، باستبدال العمالة المصرية وإحلال "العمالة السورية والباكستانية والهندية ومن آسيا وبورما ومن دول أخرى مكانها أكثر حرفية ومهارة وعلى العمالة الاردنية أن تحل محلها". كما يدعو بمقاله الذي حمل عنوان "بين يد دولة الرئيس صانع القرار السياسي والاقتصادي الأردني"، إلى "رفع قيمة تصاريح العمل ومطالبة في ضرائب وعقوبات على المخالفين العاملين بدون تصاريح وتقييم قيمة الدعم إذا أردنا أن يستفيد منها الوافد في رفع قيمة تصاريح العمل بذلك نكون قد أخذنا حقنا منه من دعم الماء والكهرباء والمحروقات والمواد الغذائية المدعومة". ويرى، أخيراً، في مقاله إياه أنه "لا يحق للوافد الذي يعمل بدون تصريح مقاضاة أصحاب العمل أمام المحاكم الأردنية وهذا من قوانين السيادة الوطنية التي تمارسها الدولة على أراضيها". ولكن، هل المسألة هي مجرد رفع شعار "لا للعمالة الوافدة" دون استبيان حقيقي لمردود هكذا شعار على الأرض؟ ومن دون أن نسأل أنفسنا من الذي حمل منذ عقود قطاع العقار على أكتافه الصابرة؟ أليس العامل الوافد؟ أليست نسبة العاملين في هذا القطاع تتجاوز بحسب إحصائيات وزارة العمل نفسها 60 بالمائة من مجموع عدد العاملين في هذا القطاع بمن في ذلك المهندسين والمقاولين والفنيين، لكن، وبما يتعلق بالبناء كعمالة خالصة من حمل وخلط وقصارة وصب ورفع جدران وما إلى ذلك، فإن نسبة العمالة الوافدة فيه (المصرية على وجه الخصوص) تكاد تقترب، باعتقادي الشخصي ومن خلال خبرتي الخاصة في هذا القطاع، من مائة بالمائة. ثم إن شبهات الفساد، وحالات استغلال حاجة العمال الوافدين إلى تصاريح عمل، أو إلى إقامات، أو إلى كفالات في حالة إلقاء القبض على المخالفين منهم، أو المشتبه بأنهم مخالفون، أصبحت من الانتشار الذي لم يعد مخفياً على أحد، إن بعض الكفلاء يطلبون مبالغ قد تصل إلى ألف دينار أردني مقابل تكفيل عاملٍ مغلوبٍ على أمره، قد يكون وُجِد بالمصادفة في المكان الخطأ، في زيارة لقريب له يعمل في مطعم، على سبيل المثال، في حين تصريحه في القطاع الزراعي، بالتالي، قرر المفتش الكريم أنه مخالف، دون أن يكلف نفسه عناء التحقق من الأمر، وإذا بهذا العامل الحزين، وفي لحظة غاشمة، بين خيارات أحلاها مرٌّ. حتى منفذي أوامر الضبط والرقابة والتفتيش، فإن تطبيقهم للأنظمة والقوانين والتعليمات، يخضع، في كثير من الحالات، لمزاجهم الشخصيّ بشكل يثير الأسف، وقد يخضع أحياناً لمدى جاهزية بعضهم للفساد وقبول الرِّشا وللمحسوبيات والواسطات. ترحيل المخالفين، يترافق، في حالات كثيرة، أيضاً، وأيضاً، مع ممارسات لا إنسانية وغير لائقة بحق أبناء بلد شقيق، وبحق أهل صنعوا على مدى القرون حضارة باهرة، وبنوا الأهرامات، وهم في بلادهم وبين أهليهم وذويهم، أهل كرم وجود. القيود والعراقيل التي تضعها الجهات المعنية في وجه تصاريح عمل الوافدين، لا تخدم في كثير من الحالات المستثمرين، ولا تخدم المزارعين، ورفع الرسوم، سترفع بالضرورة الأجرة اليومية لعامل البناء، على سبيل المثال، وهذا بدوره سيرفع من ثمن العقار أو أجرته، يعني، وكما في كل مرة، المواطن العادي، هو من يدفع الثمن. أنظمة وقوانين فتحت المجال واسعاً أمام السماسرة وتجار التصاريح، وخلقت علاقة مؤسفة بين بلدين شقيقين، أو على الأقل بين مواطني هذين البلدين، طالما أن المواطن هو آخر من تفكر فيه حكومتا البلدين أو تشغل بالها بهمومه. وبصراحة وشفافية لا أجندات فيها، هل نجحت ثقافة العيب بدفع بعض العاطلين الأردنيين عن العمل إلى قطاع البناء على سبيل المثال؟ هل زادت أعداد الذين يعرضون حياتهم للموت ويتسلقون البنايات الكبيرة لتنظيف واجهتها، الزجاجية ، او في تنظيف حفرة امتصاصية وحراسات المجمعات السكنية والعمارات وما إلى ذلك؟ البعد الأخلاقي والإنساني، ينبغي أن يتساوق ويتماهى، برأيي الشخصي، مع البعد القانوني والإداري والإجرائي، التي ينبغي بدورها، أن تحمل قدراً وافراً من الواقعية والمنطقية والقراءة المعمقة للمعطيات والحقائق على الأرض.