الرفاعي .. الرجل الاخير في المشهد

جفرا نيوز - خاص - كتب- هبوب الجنوب قرأت بتمعن ما تحدث به رئيس الوزراء الأسبق سمير الرفاعي , في افتتاح مؤتمر الإستثمار أول أمس ..وتحتار بين قراءة رأي في إطار إقتصادي وتحتار بين الرفاعي السياسي ... إن اخطر قرار اتخذه سمير الرفاعي في حياته , هو أنه رفض وبشدة أن يدخل في جوقة ما نسميه في الأردن (الليبراليون الجدد) أو (تيار الخصخصة) وما يجب أن يسمى حقيقية ( حزب التفكيك) ..وظل مؤمنا في لحظة بأبوية الدولة ودورها , وبعملية تطوير إقتصادي ..يتناسب والذهنية الإجتماعية , وبعد أن ترك موقع الرئاسة , طور في خطابه السياسي والإقتصادي ..في إطار التحذير والتصحيح وليس التنظير ..وفي إطارالنظرة النابعة من تجربة وليس (الفهلوة الإقتصادية) الرفاعي طرح وجهة نظر مهمة في الشراكة مع القطاع الخاص , وتقوم على مبدأ البناء والتشغيل , والشراكة الجادة الحقيقية ...في حين أن تيارات أخرى كانت تؤمن بإن إدارة الوطن تشبه إدارة الشركة , وسمحت لرأس المال المتوحش إن يدخل في صلب القرارات السيادية ....وهو بقي يؤمن بدور الدولة , وأن يدها هي العليا ... الرفاعي الان حائر , بين حرب شرسة تشن عليه , على خلفية منهج ونظرة ورؤية ...وبين دولة , تتعثر إقتصاديا وتبحث عن مخرج للهروب من أزماتها .. قبل فترة , جلسنا مطولا ...في مكتبه المطل على العبدلي , وتحدثنا عن المرحلة ..بكل مافيها من وجع واسئلة , وكلما جررته للإجابة عن سؤال يقض مضجعي وهو...كيف ينهار نهج إقتصادي في الدولة بعد أن ثبت خطأ مساره ثم يعود وينقض زبانيته على القرار مرة أخرى , وكان يهرب من الإجابة متعللا بأن الزمن يتغير ..وهذا يحتم علينا بأن نغير في التفكير والعقلية , ولكن الحقيقية أن هذا الرجل الذي وصل إلى مشارف الخمسين الان ..هو صاحب منهج مختلف , هو ابن الرصانة السياسية ...ولأن هذه الرصانة تحتم عليه , الهدوء في الطرح ..فهو يجابه المشهد , على شكل نقد وتقديم صورة أخرى لإقتصاد الدولة وحضورها ...دون الدخول في مواجهات سياسية , تتعب المشهد أكثر من تعبه الحالي . الرفاعي قلق وحائر , ويحاول بكل ما اوتي من جهد أن يقدم مشروعا جديدا في الإقتصاد ...أن يعيد بناء تحالفات الدولة مع مجتمعات المزارعين والبدو والفقراء والأطراف , أن يقول للناس ...أن ثمة حلول أخرى , ولكنه في ذات الوقت يجابه بتيار ..عارم يحارب الشخص قبل الفكرة . أنا لم أقرأ محاضرته الأخيرة في مؤتمر الإستثمار , في إطار محاضرة أو رؤية ..بل هي رسالة بأنه الرجل الأخير في المشهد الذي مازال يقاتل ..في حين أن رؤساء وزارات ومسئولين سابقون التحفوا الصمت , ولاذوا بالهدوء بجانب مواقد الحطب الفخمة في منازلهم ...نعم الرفاعي هو الرجل الأخير الذي مازال يقاتل تيارات الخصخصة بضراوة , دون أن يدخل في مواجهة معها ومازال يصر على صرامة الدولة وأبويتها ...ويفتح باب مكتبه للشباب وللصحفيين , وللناس ..وقد يمضي ساعات وهو يستمع لك , دون أن يدين أحد أو يتفوه بكلمة ضد أحد .... هو الرجل الأخير في المشهد , الذي مازال حاضرا شعبيا وإعلاميا وسياسيا ..ولكن سأعترف لنفسي بأمر مهم , وهو أني لم أشاهده عبر العشرين عاما التي عرفته فيها ..حزينا بحجم الحزن الحالي ...والأسباب لا تكتب على الورق ..ولكنها تحفظ في القلب , فالقادم ..يوحي حتما , أن ثمة رجالاً لا يهزمون حتى لو حاصرهم الزمن .. لايهزمون أبدا .