"أوبك" وأزمة النفط القادمة

عمان- كما تم التحذير منه في الشهر الماضي ؛ عقب اجتماع منظمة الدول المصدرة للنفط "الأوبك" في الجزائر، ها هي حيلة لي الذراع المستخدمة للحفاظ على الأسعار في مستويات مصطنعة مرتفعة ؛حتى وإن كانت لمدة شهر واحد فقط؛ تتهاوى بسرعة. وقد قيم مراسل "بلومبيرغ"، دانييل دانيال، الأوضاع كالتالي؛ في نهايات الشهر الماضي، كانت المحادثات حول الإنتاج النفطي في أوجها وكان بعض أعضاء الأوبك ينوهون إلى تخفيض الإنتاج مرة أخرى، ولذلك ارتفعت أسعار النفط الأسود. وقد أحسنت السعودية، إلى جانب منتجين آخرين من داخل وخارج المنظمة، صنيعاً في تعزيز الرواية التي تقول أن هناك شروطا يستطيع جميع الأطراف الاتفاق عليها لضخ كميات أقل من النفط الخام. ورفعت أدلة استمرار الوفاق بين الدول المنتجة أسعار النفط إلى 50 دولارا للبرميل الواحد في المتوسط خلال الشهر الماضي في نيويورك. ومع ذلك، ما تزال العقبات المتعددة تُصعِّب على الدول الإلتزام بتوقيع إتفاقية بهذا الشأن. وتبرز إحدى هذه العقبات في التضحيات المطلوبة لإنجاح مثل هذه الإتفاقيات، بينما تكمن أخرى في أن هذه التضحيات لا تُقدَّم بالتساوي بين جميع الأطراف. ومع نجاحها في تحقيق 18 مليارا في سوق السندات، أصبحت المملكة العربية السعودية في وضع أفضل من غيرها على صعيد القدرة على تحمل خسارة بعض الإيرادات. وكان العراق، ثاني أكبر منتج للنفط في الأوبك، آخر من التمسوا الإعفاء من تخفيض الإنتاج، مستشهدا بحربه الضروس المكلفة والشاقة ضد تنظيم "داعش". وفي نهاية المطاف، لا أحد يحبذ أن يضخ كمية أقل في السوق النفطية، نظراً لكون الاتجاه التصاعدي محدودا للغاية. ومن جهة أخرى، نجح قرار السعودية، الذي اتخذته في العام 2014 حيث خاطرت بضخ الإنتاج للحفاظ على حصتها في السوق، في ضرب ازدهار ثورة منتجي النفط عالي التكلفة. ولكنها في ظل إلتزامها بهدفها وضعت نفسها في حرب ضارية للحفاظ على ما فازت به. ويفسر إعلان شركة ومنظمة "كونوكو فيليبس" الدولية الشهر الماضي النجاح الجزئي لخطة السعودية الرامية إلى إخراج المنافسين من الساحة، فيما يشير أيضاً إلى أن المنتجين باتوا يرون تضاؤل فرص ارتفاع أسعار النفط إلى ما يتجاوز الـ60 دولارا للبرميل، وفقاً لجيمس كوشان من "صندوق إدارة ويلز فارغو". والسبب الأكبر بالطبع هو الامدادات الكامنة للولايات المتحدة. وفي هذا الخصوص، تُظهر بيانات شركة خدمات الصناعة الأميركية "بيكر هيوز" أن معظم الحفارات الأميركية عادت للعمل في حوض بيرميان، منذ كانون الثاني (يناير) الماضي. ويقترح محلل شركة الأبحاث "سانفورد سي برنشتاين"، بوب براكيت، أن سعر الفدان الواحد من الأراضي التي يجري حفرها سيرتفع إلى 100 دولار من حوالي 60 دولارا في الوقت الراهن. ويبدو أن النقطة التي وصل إليها لاعبوا الاتفاقية هي أن أسعار النفط لن ترتفع إلى حدود أكبر من التي وصلت إليها. وسوف تنقلب ظروف النفط رأساً على عقب، كما حذر كل من "جولدمان" و"سيتي"، في حال لم تخرج الأوبك باتفاقية نهائية وقابلة للتدقيق –لا لفظيةً فقط- تقلص فيها الدول الأعضاء، والتي نعني بها تقريباً السعودية بشكل رئيسي، الإنتاج فوراً. وإذا ما حدث ولم يتم التوصل إلى هذه الاتفاقية سوف تنهار أسعار النفط إلى 40 دولارا للبرميل الواحد أو إلى ما دون ذلك. ومع ذلك، تبقى اللفتة الأكثر أهمية وجاذبية هو أن هبوط أسعار النفط ربما يكون الأمر الذي ينتظره منتجو نفط الصخر الزيتي الأميركي. ويعود السبب في ذلك إلى أن الأوبك شغلت نفسها في الآونة الأخيرة بمحاولات رفع أسعار النفط، بينما أمضى المنتجون الأميركيون وقتهم في التفكير بالخطوة التالية التي لا مفر منها. وكنتيجة لذلك، وفقاً لتقرير إدارة معلومات الطاقة الأميركية، إن مقدار مبيعات نفط غرب تكساس الوسيط الذي يمكله المنتجون والتجار خجولة الآن في عقد من المبيعات العالية، وهم في خضام رفعها. ووفقاً لتقرير إدارة معلومات الطاقة حديث النشر، تجاوزت عقود مبيعات نفط غرب تكساس الوسيط الآجلة الـ540 ألف عقد إعتباراً من 11 تشرين الأول (اكتوبر) 2016، وهي النسبة الأكبر منذ العام 2007، بحسب بيانات "هيئة المتاجرة بالسلع الآجلة الأميركية". وقد شددت البنوك، من جهتها، معايير إقراضها لبعض شركات الطاقة مع إنهيار أسعار النفط الخام خلال العامين 2014 و2015، بينما تشترط بعض البنوك على المنتجين التحوط ضد مخاطر الأسعار المستقبلية كشرط أساسي للموافقة على إقراضهم. وعلى صعيد آخر، وتحديداً قبل عامين بالتمام والكمال، أطلقت السعودية سلسلة من الأحداث أملت من خلالها تدمير منتجي نفط الصخر الزيتي الأميركي ومنافسيها من منتجي النفط عالي التكلفة بشكل عام. ونجحت المملكة جزئياً ولفترة وجيزة بواقع الحال، ولكن الأوضاع تبدلت الآن: فالشركات الأميركية المتبقية أكثر كفاءة وتؤدي جيداً على صعيد إعادة الهيكلة، بينما تعاني ديوناً أقل وأقل تجرعاً لتكاليف الإنتاج؛ والأكثر من ذلك كله، أنها أمست تستطيع أن تسدد ضربة قاتلة في المرة التالية التي يحدث فيها إنخفاض لأسعار النفط، وذلك من خلال مناورة الأوبك. وفي ذلك الوقت، يحتمل أن يتم سحق آخر ذرة من مصداقية الأوبك، فيما سيعاني منتجوا النفط عالي التكلفة الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للنفط أيضاً التخلف سيادياً والإضطرابات الاجتماعية، وربما تكون السعودية إحدى المتلقيات لخسائر جسيمة. ولكن الخبر السار للرياض هو أنها تملك على الأقل 17.5 مليار دولار من الأموال التي جنتها حديثا من حفنة من الأشخاص والشركات. ولكن هل ستبقي هذه الأموال السعودية بعيداً عن أخطار الاضطرابات الاجتماعية وعن انهيار النظام المالي؟