تدمير صناعة النفط "الداعشية"

عمان- قبل عام واحد فقط، كان تنظيم "داعش" الإرهابي يركب موجة عالية من النفط الخام والعملة الصعبة. وكان التنظيم الجهادي يرفع من إنتاج النفط ويتعافى بسرعة من هجمات التحالف، الذي تقوده الولايات المتحدة، الجوية، والتي صممت لـ"تعطيل" –لا تدمير- بنيته التحتية. ووفقاً للسجلات الخاصة به، كان "داعش" ينتج أكثر من 50 ألف برميل يومياً عقب الجولة الأولى من الضربات الجوية، فيما تمكن من تحصيل ما يتراوح بين 40 مليونا و50 مليون دولار شهرياً في بدايات العام الماضي. ولكن، أصبحت أعمال التنظيم النفطية اليوم تحارب من أجل البقاء على قيد الحياة. فقد خفضت سنة من الضربات الجوية التي لا تعرف الهوادة، جنباً إلى جنب مع خسارة الأراضي في العراق وسورية، من ثروات التنظيم. وفي شهر حزيران (يونيو)، دكت الولايات المتحدة مقر وزارة النفط الداعشية في الموصل. وفي آب (أغسطس)، حصدت القوات الكردية الثناء لقاء قتلها وزير النفط الداعشي، سامي الجبوري، في غارة مشتركة مع القوات الأميركية بالقرب من الحدود العراقية-السورية. وما تزال الشركة الملقبة بـ"شركة الخلافة الوطنية للنفط" تعمل، لكن إنتاجها إنخفض إلى جانب إيراداتها بواقع الحال. كم بالضبط؟، لسنا ندري بعد. ومع ذلك ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد في جميع الأراضي الخاضعة لسيطرة التنظيم خلال العام الماضي، مما يوحي بأن هناك نقصا في معروض التنظيم. ونحن نعلم أيضاً أن "داعش" يتبع الآن تدابير تقشفية، عقب انخفاض إيراداته. ويرى حتى خبراء النفط، الذين يتلقون أجوراً مرتفعة، أن التنظيم يدخل في دوامة انحدار، لاسيما مع تخفيضه الأجور والمؤن. وقد جاءت جميع هذه النكسات نتيجةً لعملية "موجة المد والجزر 2"، التي بشرت بحملة أكثر عدوانية وتوسعية ضد شبكة "داعش" النفطية عندما بدأت في 21 تشرين الأول (أكتوبر) العام 2015. وأصبحت العملية، التي جاءت تتويجاً لنقاشات حادة داخل الحكومة الأميركية حول مدى فعالية هجمات القصف الجوي ضد مواقع النفط الداعشية في العام الأول، ممكنة بفضل وضع قوات الكوماندوز الأميركية أيديها على كنز ثمين من الوثائق التي تخص التنظيم خلال العام الماضي، وذلك عندما تسللت إلى سورية بغية الإغارة على حقول النفط الأكثر ربحية بالنسبة له. وتضاعفت أهمية حقل العمر النفطي بوصفه مقر لجماعة أبو سياف، الرجل المسؤول عن عمليات التنظيم النفطية يومياً. وقد تم قتل أبو سياف، إلى جانب اثنين من مساعديه، في غارة شهر أيار (مايو) من العام الماضي، لكن القوات الأميركية غادرت المكان آخذةً معها أكبر كمية من المعلومات الاستخبارية في تاريخ قوات العمليات الخاصة التابعة لها. وكانت المعلومات التي ضبطت عبارة عن 7 تيرابايت من الجداول وملفات الموظفين والإيصالات، فضلاً عن الاتصالات. وأمضت وكالات الاستخبارات صيف العام الماضي بأكمله تترجم الوثائق وتدقق بين سطورها بحثاً عن الأدلة والبراهين. وبواقع الحال، أجبر ما وجدته هذه الوكالات التحالف للعودة إلى مجلس رسم المخططات، فلم تترك المعلومات المتوفرة أي شك حول مرونة تجارة النفط الداعشية. لقد كانت فرق التنظيم المختصة بالصيانة تنتشر في حقول النفط لإصلاح المعدات عقب أيام، أو حتى أسابيع، معدودة بعد القصف الأميركي لها. ودمرت الوثائق أيضاً الافتراضات القديمة المرتبطة باقتصاد داعش النفطي، ما دفع الولايات المتحدة إلى توخي الحذر أكثر. وكان مسؤولون افترضوا سابقاً أن مرافق النفط خضعت لإدارة محليين بائسين أكثر من أعضاء التنظيم. ولكن سجلات أبو سياف كشفت أن داعش تمتع بجيش من المهنيين المحترفين والعمال والمديرين الملتزمين إيدولوجياً، والذي خضع كل واحد منهم للاختبار قبل ذلك. محليون أم أجانب، تعهد العديد من المهنيين -إن لم يكن جميعهم- بالولاء لزعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي. ويعلم آموس هوشتاين أن ذكاء أبو سياف غير معالم اللعبة في الحقيقة. وبوصفه المبعوث الخاص ومنسق شؤون الغاز والطاقة في الشرق الأوسط، كان هوشتاين يتوسط الجهود الأميركية الرامية إلى تفكيك تجارة النفط الداعشية. وكان أخبرني في مكتبه الشهر الماضي أن الوثائق: "أجابت عن كثير من الأسئلة حول كيفية تجند التنظيم للناس من يعمل في الحقول". وأضاف: "ولكنها أعطتنا أيضاً فهماً أكثر وضوحاً لتسييل المال. أين يصنعون المال، وكيف يصنعونه؟". ولكن، في نهايات صيف العام الماضي، نظرت الولايات المتحدة إلى شبكة نفط داعش بعيون جديدة -بعيون أبو سياف بالتحديد. وبدأت واشنطن تدرك، ولو ببطء، أن مرونة شبكة التنظيم الإرهابي لا يستهان بها: فلم تكن الضربات الجوية "الموجعة"، التي استهدفت غرف التحكم والبنية التحتية، قد أثرت كثيراً، وفي أحيان أخرى لم تؤثر أبداً أيضاً؛ وكان العديد من المدنيين الذي يديرون عمليات النفط في الحقيقة مقاتلين؛ كما ولم تصب الكثير من المعدات أيضاً بأي أذى. وعلى هذا الأساس، بفعل أن عملية "موجة المد والجزر 2" تسلحت بفهم أفضل لشبكة التنظيم، بدأت الطائرات الأميركية باستهداف مواقع الإنتاج في تشرين الأول (أكتوبر) من العام الماضي، ودمرت فوهات الآبار ورافعات الضخ، فضلاً عن الحفارات وغيرها من الأدوات الثقيلة، على ما يبدو على أساس يومي. وتظهر مجموعة، رفعت عنها السرية، من سجلات أبو سياف الشخصية أنه كان يسيطر على 253 بئرا نفطية في العراق وسورية قبل وفاته بمدة قصيرة. ووفقاً لحساباتي، دمر التحالف على الأقل 224 منها العام الماضي، رغم أنه بعضها قد تكون قد أصلحت أو أبدلت ليتم ضربها مجدداً في وقت لاحق. وذلك بالإضافة إلى ضرب شاحنات النفط التابعة للتنظيم، ما أجبره على تحديد مواعيد شحنه بعناية فائقة، وحتم عليه أيضاً تخفيض سعر النفط في الحقول لاجتذاب الوسطاء. بواقع الحال، يعمل تنظيم داعش اليوم على التكيف مع الأمر أكثر من محاولة إعادة بناء قوتها النفطية مجدداً. ويحاول أيضاً تجنب الخسائر الضخمة التي تنتشر في شبكاته. ولم يعد سائقو الشاحنات يصطفون بأعداد كبير كما في السابق، كما ويعمل التنظيم على شراء خطوط الأنابيب ووحدات التخزين على أمل ألا تستطيع الولايات المتحدة إيجادها. إذن هل تمضي تجارة نفط داعش نحو الهلاك؟