هل يصبح اختيار اعضاء المجلس القضائي بالانتخاب
جفرا نيوز - كتب: عمر محارمة
جاء الأمر الملكي بتشكيل لجنة لتطوير الجهاز القضائي وتعزيز سيادة القانون كاجراء عملي سريع لتحقيق الرؤية التي أوردها جلالة الملك في الورقة النقاشية السادسة التي ركزت على مفهوم سيادة القانون وحملت عنوان «سيادة القانون أساس الدولة المدنية».
وبالنظر إلى اللجنة التي ضمت خبرات قانونية وقضائية كبيرة فان التوقعات بخروج هذه اللجنة بتوصيات نوعية وجوهرية تدفع القضاء الأردني لتحقيق قفزة حقيقية توائم المعايير الدولية لاستقلال القضاء وتحقق الهدف الذي رسمه جلالة الملك في الورقة النقاشية وفي رسالة جلالته إلى رئيس اللجنة زيد الرفاعي.
السلطة القضائية تلعب دوراً بارزاً من خلال الأطر القانونية الموضوعة لها لترسيخ مبادئ سيادة القانون، وصيانة الحقوق والحريات الأساسية للأفراد وضمان عدم التعسّف باستعمال الحق، ومتابعة كافة السلوكيات الانضباطية لإرساء قواعد العدالة.
ويعتبر استقلال هذه السلطة أهم عناصر قيام دولة القانون وأول ضماناتها للعمل بنزاهة وحيادية، وأي مساس في شؤون هذه السلطة أو التدخل بها سيزعزع مفهوم العدل وبالتالي سينعكس على المجتمع وأمنه.
وتعتبر المبادئ الأساسية والتي وضعها مؤتمر (ميلانو) عام 1985 ثم أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة وصوت الأردن لصالحها مبادئ أساسية لاستقلال السلطة القضائية، حيث اشتملت هذه المبادئ على معايير ضمان استقلال السلطة القضائية في جميع الدول والتي تستند على ضمان العدالة في ميدان تعزيز واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية دون أي تمييز، وبذلك تم تكريس مفهوم المساواة أمام القانون ومراعاة الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان في هذا الإطار.
ولعل أبرز عناصر استقلال السلطة القضائية وفق تلك المعايير يتعلق بتمكين المجلس القضائي وتحصينه، من خلال وضع تعديلات تحصن أعضاء المجلس وتمنع إقالتهم أو إحالتهم على التقاعد إلا في حالات محددة وواضحة، ويعتبر انتخاب أعضاء المجلس القضائي أو انتخاب جزء منهم على الأقل أحد أهم المعايير الدولية في هذا السياق.
كما يجب أن تعمل اللجنة على وضع النصوص التي تضمن إنفاذ التعديلات الدستورية للعام 2011 وما تبعها من توجهات لتحقيق الاستقلال المالي للسلطة القضائية بإدراج ميزانيتها كميزانية مستقلة محددة في ميزانية الدولة، وفك الارتباط بشكل نهائي مع وزارة العدل بحيث تتولى الأخيرة الأمور المتعلقة بتوفير مرافق القضاء والكوادر الإدارية دون أن يكون لعملها أي اتصال مباشر بالقضاة ومن ذلك الأمور المتعلقة برواتب القضاة ومكفآتهم ومياومات السفر الممنوحة لهم أو ابتعاثهم لنيل الشهادات العلمية أو المشاركة بالدورات التدريبية أو أي شأن مالي وإداري متعلق بالقضاة بشكل مباشر.
وستكون ابرز التحديات الماثلة أما اللجنة الملكية كمعيقات للعمل القضائي النقاط المتعلقة بطول أمد التقاضي، كنتيجة طبيعية للنقص في عدد القضاة والحجم الكبير للموقوفين قضائيا وأخيرا معضلة تنفيذ الأحكام القضائية التي ما زالت تعتبر واحدة من ابرز مشكلات التقاضي في الأردن.
ويعتبر موضوع الاختيار الأمثل لرجال القضاء ثم التدريب والتأهيل المستمر لهم واحدا من أبرز النقاط التي لا بد أن تلتفت اللجنة لها لوضع تشريعات واضحة تمنع أي إمكانية لدخول الواسطة والمحسوبية في هذا الموضوع وتخضع القانونيين الذين يتقدمون لشغل موقع القضاء لمعايير صارمة ودقيقة تتناول كافة الجوانب الشخصية والعلمية والنفسية للمرشحين ومن ثم إخضاعهم لبرنامج تعليمي وتدريبي يضمن وصولهم إلى أعلى مراتب الكفاءة والمعرفة قبل الجلوس على منصات المحاكم، وهو الدور الذي يتولاه المعهد القضائي حاليا بدرجة عالية من الكفاءة، مع ضرورة توفير الأدوات التي يحتاجها هذا المعهد لمواصلة مسيرته بشكل فعال .
وقد يكون الأوان قد حان للاستجابة لمطلب قضائي قديم متجدد لتأسيس ناد للقضاة أو أي شكل من المنظمات لتمثيل مصالحهم والنهوض بتدريبهم المهني وحماية استقلالهم القضائي، ومنحهم الحق للتمتع بحرية التعبير والاعتقاد بشكل يحفظ هيبة منصبهم ونزاهة واستقلال القضاء.
كما تأتي الامتيازات المادية والوظيفية للقضاة في سلم الأدوات الواجب توفيرها لهم لتمكينهم من التركيز على أعمالهم وسط أجواء مريحة، في سبيل بذل القضاة أقصى ما لديهم من جهد في تقصي الحقائق وفهم الوقائع للوصول إلى التكييف القانوني السليم وفهم وتحليل النصوص القانونية وبالنتيجة إنزال حكم القانون بالصورة التي تتناسب مع العدل والإنصاف.
وما يحتاجه القضاة ليس كثيرا قياسا بما يبذلونه من جهد ومعاناة تبدأ من بحث في كل شاردة وواردة في محاضر الدعوى ونبش أكوام من البينات ومطالعة ما يكتب من مرافعات ومذكرات تقدم من الخصوم ويمتد الأمر إلى استقراء النصوص القانونية التي تنطبق على وقائع الدعوى للوصول إلى إصدار الحكم الذي يؤمن القاضي بعدالته بوحي من فهم عميق وضمير حي.
وللقضاة مطالب عادلة ومحقة قياسا على ما تحقق للكثير من القطاعات المختلفة لموظفي الدولة ومنها ما يتعلق بالتامين الصحي وتوفير منح دراسية لأبناء القضاة وفوق كل هذا مخصصات القضاة المالية (الرواتب) التي لم يجر عليها أي تغيير منذ العام 2008 مع ما شهدته السنوات السابقة من ارتفاع في متطلبات الحياة بحيث أصبحت رواتب القضاة لا تتناسب مع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي يواجهونها ، فالمطلوب من القاضي أن يظهر بمظهر يليق باستقلاله وهيبته ولا يستطيع أن يحافظ على هذه الهيبة والاستقلال إلا إذا توفرت له السبل الكفيلة بذلك ومنها تحسين وضعه المالي إلى الحد المعقول.