مهرجان الإسلاميين الانتخابي: قراءة من بين الجمهور
جفرا نيوز- لو كان أحدكم في منطقة دوار عبدون غرب عمان مساء الجمعة، فإن زحمة السيارات والأصوات والأغاني المسموعة، ستدله بسهولة على موقع المهرجان الانتخابي للإسلاميين (التحالف الوطني للإصلاح).
وصلتُ متأخراً بعض الشيء، عن لحظة البداية، كان صوت الغناء القادم يحمل لحن أغنية المرحوم توفيق النمري الشهيرة: "لوحي بطرف المنديل مْشَنشل بِرْباع، يا أم رْموش طويلة وعيون وساع"، وبسرعة ينتقل اللحن إلى أغنية فهد بلان: "واشرح لها عن حالتي"، ثم إلى لحن "يا عنيّد يا يا يابا" للمرحوم عبده موسى! إنه ما يعرف فنيا بالـ"كوكتيل" الغنائي، وبالطبع فقد رُكّبت على الألحان، كلمات أخرى سياسية/ انتخابية تتناسب حُكماً مع البرنامج المطروح، ولكن دلالات اختيار هذه الألحان سوف تتضح بسهولة.
سرعان ما يتطبع الزائر المتأخر مثلي، مع الأجواء: منصة كبيرة يجلس عليها عشرات المرشحين بلباس رسمي ومرشحات بلباس ملتزم، فالمهرجان جماعي مركزي لمرشحي التحالف في كل المحافظات. وفي لحظة اصطف أمام المنصة عدد من الفتيان/ الشباب من حملة البالونات الملونة (بالفوشي والأبيض)، يلوحون بها وسوف تنتهي مهمتهم مع انتهاء المهرجان بإطلاقها في سماء عمان كمفاجأة طالبَنا عريفُ الحفل بانتظارها.
الجمهور كبير نسبياً، بمقاييس هذه الأيام، أكثر من 3 آلاف شخص من مختلف الأعمار، وقد جلس جمهور النساء على يسار الساحة، مع حاجز بسيط يفصلهن عن الرجال.
الكلام القادم من المنصة جديد على جمهور الإسلاميين، فلا شعارات مرفوعة كبرى، أو مكتوبة على أوراق بين أيدي الجمهور، ولا أعلام خضراء يتقاطع فوقها سيفان ومصحف تحتها كلمة "وأعدوا". وهناك فقط أعلام قماشية بيضاء اللون! تحمل شعار التحالف، وعدد محدود من الأعلام الأردنية موزعة في الساحة، وأعلام ورقية كثيرة لكنها صغيرة وملونة تحمل اسم التحالف. وفي آخر الساحة ظلت تتكوم حتى انتهاء المهرجان أكياس من هذه "الاكسسوارات"، رغم أنها معروضة لمن يريد أن يحملها. هذا أمر مفهوم، ففي الواقع إن جزءاً من الجمهور هو من الوقار سنا وهيئة، بحيث يصعب على الفرد منه، حمل علم أبيض أو آخر ورقيا ملونا، فضلا عن التلويح به، ولهذا فقد بقي عدد كبير من الأعلام بلا استخدام.
الطابع العام للمهرجان احتفالي، والغناء (ليس فقط النشيد) يتخلل الفقرات، غير أن الوجوه جادة، ولهذا كان التفاعل مع الكلام الآتي من المنصة متواضعا جدا، وكانت هناك انسحابات متواصلة من الساحة التي ظلت مع ذلك ممتلئة نسبياً. الجو العام جديد على نمط اجتماعات الإسلاميين، لا سيما وأن المهرجان جاء بعد أسبوع على منع إقامة المهرجان في المدرج الروماني، وكان من المتوقع أن يشهد عند إقامته مجددا قدرا من الخشونة، أو على الأقل قدراً أقل من النعومة. فلم تُسمع نداءات "التكبير" التي اعتاد عليها جمهور الإسلاميين كوسيلة تحفيز وشد انتباه، وغابت كل الشعارات السياسية المعتادة، وحتى كلمات مثل فلسطين والقدس والمقاومة، فقد حظرت ولكن بين السطور وبهدوء ملحوظ.
ظل عريف الحفل يطلب بين لحظة وأخرى، أن يسمع من الجمهور تصفيقاً أشد، وكان يكرر: "وين الأردنية وين؟ سمّعونا". بل إنه قدم لنا فناناً ودعانا إلى الإصغاء له ووصفه بالفنان "العظيم"، ومن المرجح ان الوصف جاء عن طريق السهو.
صحيح أن حزب جبهة العمل (الإخوان/ الأم) عندما أعلن عن المشاركة قال بوضوح إنه سيعتمد الشعار الوطني وأن شعارات الإسلاميين الخاصة لن تكون حاضرة، ولكن من الواضح أن مشاعر الجمهور لم تكن على الخط ذاته، كانت النظرات مشدوهة إلى درجة ملحوظة. وكانت مجموعات الحضور التي تجلس أو تقف متجاورة، تتبادل الهمسات والتعليقات الخاصة حول ما تسمع، وغالباً كانت متهكمة مما تسمع، لا سيما وأن أغلب الخطباء لم يكونوا من الإسلاميين.
فقرة الختام كانت عبارة عن أغنية شعبية رافقتها شبابة وفرقة للدبكة، وقد جمع الغناء المرافق للدبكة ما بين التراثين الشعبيين الأردني والفلسطيني، فقد سمعنا غناء عن "حجار ورشاشات" إلى جانب "حَيّ الدبكة المعانية". ومع بدء هذه الفقرة طلب عريف الحفل من الجمهور أن يقفوا ويوجّهوا هواتفهم المضاءة نحو المنصة ويشاركوا في الانفعال عن طريق التلويح بالأيدي، نحو مشهد "الدبكة والشبابة والغناء الشعبي" في الساحة الأمامية.
كانت الصفوف الأولى تضم بعض القيادات الإسلامية والنقابية، ممن يصعب عليهم تلويح أيديهم بانفعال، غير أن الشيخ زكي بني ارشيد كان أكثرهم تفاعلاً، فقد كان يحمل بيده مسبحة صغيرة، وكان مع سماعه أصوات الشبابة وإيقاع الدبكة، يرفع يده إلى مستوى (غير كافٍ ولكنه مقبول)، ويلوّح بالمسبحة، وبشكل نموذجي للانفعال مع الدبكة والغناء الشعبي (تلويح سريع جداً ارتجاجي وبحركة دائرية مع وضد عقارب الساعة بالتناوب)، ولولا معرفتي بحرمة الرهان، لراهنت أنه كان مستعداً للالتحاق بالحلقة، وقد احترمت ذلك منه فعلاً، فهو تصرف بعفوية وبشكل طبيعي، وأنا – إذا سمحتم لي بالمناسبة- أطالب كل السياسيين بالتخلي عن المظاهر الزائفة لما يسمونه وقارا. (بصفتي مهتماً بالأرشيف، لدي عدد من صور الدبكات الشهيرة التي لم تكن تخلو من المعاني السياسية).
مع ختام المهرجان وبدء انفضاض الحضور، دُعي إلى صلاة المغرب جماعة بعد أن مضى أكثر من نصف ساعة على رفع الأذان (وكان عدد من الحضور قد انسحبوا للصلاة)، فاندفع عدد من الحضور نحو المكان المخصص. في الأثناء سألتُ أحد الحضور: هل الدبكة حرام؟ قال لي محرَجاً: "والله مختلف عليها، ولكني مع تحريمها". انتقلت إلى آخر وقلت له: لقد غاب التكبير عن الحفل! قال لي مبتسماً: "إنه تحالف وطني للإصلاح"، أسرعت نحو ثالث وسألته: لماذا لم يتوقفوا أثناء رفع الأذان للصلاة؟ قال لي مؤيدا وحانقاً: "نعم والله إنها نقيصة". ولكن الرابع عندما قلت له: هل يجوز دبكة وصلاة؟ نهرني بغضب: "نعم يجوز"! وأكمل طريقه.
بكل الأحوال، ليس هذا الجمهور عينة نموذجية لناخبي الإسلاميين، وهذا التقييم أظنه سيكون لصالحهم وليس ضدهم، فلو اعتبرنا المشهد العام لمهرجان دوار عبدون، ممثلاً لموقف أو وضع الإسلاميين الانتخابي، لكان ذلك مدعاة لقلقهم، مثلما كان مدعاة لسرور خصومهم. لكن الأمر مختلف وفق تجارب الإسلاميين المعتادة. إذ يعتمد مرشحو الإخوان (إلى جانب سمعتهم السياسية) على شبكة اجتماعية خدمية خيرية منتشرة متشعبةلا ترى بالعين الانتخابية، وقد حاولت السلطات تجريدهم من النفوذ فيها، ومن غير المعروف ما هي النتيجة الميدانية.
إن حضور الإسلاميين في الانتخابات يشكل الملمح الأهم في إعطاء هذه الانتخابات بعداً سياسياً (حتى لو تجنبوا كلام السياسة)، إذ أن كثيراًمن الحزبيين الآخرين غير الإسلاميين اختاروا معركة غير سياسية (حتى لو بالغوا في كلام السياسة)، مع ملاحظة أن قوائم أخرى غير حزبية أثبتت حضورا برامجياً/ سياسياً معقولاً.
بدا أول أمس وكأن الإسلاميين يستعيدون -شكلياً ومن طرفهم لوحدهم على الأقل- شيئاً من طريقتهم ما قبل الثمانينيات في العمل السياسي في الأردن، أي الالتقاء مع الحكم وتجنب الصدام. غير أن المشكلة تكمن في نوع الخصم الذي يمكن أن يجعل اللقاء ممكناً مرة أخرى بين الطرفين، ففي السابق كان لهما خصم واضح، مثلته أنظمة حكم محيطة ومُخاصِمة وحركات تدور في فلك تلك الأنظمة. ومهما اختلف الجدل بين من يقول إنهم استُخدِموا استخداماً، وبين من يقول إنهم فعلوا ذلك بإرادتهم، فإنهم فعلاً ساهموا في حماية البلد واستمراره (منظوراً إلى المسألة من زاوية اللحظة الحالية)، ولكن إذا كان اللقاء وارداً مجددا بين الإخوان والحكم، وحتى لو كان اللقاء في "الجيبة الصغيرة" للثاني، فعلينا انتظار من سيكون الخصم المشترك هذه المرة... أما الانتخابات فهي "شِدّة وتزول".